عندما أعلنت مقدّمة البرنامج بإحدى القنوات الفرنسية، نهاية الوقت المخصص له، ازدحمت الأفكار برأسي، وأحسست بنوبة قلق شديدة تقتحم علي هدوئي وسكينتي.. لم أشعر قط في عزّ الأزمات وأحلكها بثقل الإستفهامات والأسئلة التي شرعتُ في طرحها، مباشرة بعد انتهاء البرنامج؛ ولم يكن أهمها وأكثرها حدة: هل نحن مستعدون أو نستعد بالقدر الكافي الضروري لمواجهة الكوارث؟؟ وبصيغة أخرى، هل سنكون في المستوى هذه المرة لمواجهة (فيروس أنفلونزا الخنازير)؟؟. البرنامج سالف الذكر، تناول هذا المرض الخطير بشكل مفصل ودقيق.. تحدث الضيوف عن خطورته، وتناولوا خصائصه من الناحية العلمية والتقنية، كما تطرق الآخرون لتداعياته الإجتماعية والإقتصادية... وتمكن هؤلاء، كل حسب تخصصه، من رسم صورة واضحة وجلية عن خطورة الوباء، واتفق الجميع على أن فاتورة هذا الداء ستكون جد مؤلمة... الحقيقة أني أعجبت كثيرا بأسلوب هؤلاء في التحليل، الذي تميز بوضوح ودقة نفتقدها في إعلامنا وبرامجنا الحوارية. كانت تدخلاتهم صريحة، تشعر معها بجدية هؤلاء في تناول المواضيع الحساسة والمصيرية.. كان هذا البرنامج الخاص، حول هذا الداء، سيكون عاديا بالنسبة لي على الأقل، لو أن قنواتنا العمومية قامت بالعمل نفسه في سبيل تنوير الرأي العام، وتحسيسه بما ينتظره، بالوضوح الواجب في مثل هذه المواقف التي يكون فيها الجميع على كف عفريت.. بل حتى القطاعات المعنية أكثر، بهذا الوباء لم تفعل أكثر من الصمت، فقطاعات كالصحة والتعليم يعتبران، حسب ضيوف البرنامج المذكور، المجالين اللذين سيتحملان الوزر الأكبر لهذا المرض الفتاك. الأول لأن المفروض فيه التحرك وقائيا بصورة مبكرة، وعلاجيا بتدخلات فعالة، في الزمان والمكان المناسبين، (قبل وأثناء وبعد) لمحاربة الداء، عبر توفير الوسائل الضرورية للحد من انتشاره، وقبل هذا وذاك، تسخير جميع وسائل الإتصال الممكنة للتحسيس والتوعية.. أما الثاني، فهو القطاع الأكثر عرضة للإنتشار السريع والواسع لهذا الوباء؛ على اعتبار كثرة مرتاديه من التلاميذ والطلاب والموظفين.. بالإضافة إلى هشاشة الوضعية الصحية به؛ فهو بحكم طبيعته وطبيعة العنصر البشري الذي يتواجد بفضاءاته، سيكون الضحية الأولى الذي سيتعرض به للعدوى أكبر عدد من المصابين.. وعلى الرغم من ذلك، فإن المسؤولين عليه سلكوا السلوك نفسه الذي سلكته باقي القطاعات المعنية، بما فيها قطاعات الشؤون الإسلامية والنقل... كلما ولج الواحد منا إحدى المؤسسات التابعة لهذا القطاع أو ذاك، بقدر ما يشعر بخطورة الموقف، يلاحظ أن لاشيء يوحي بالإستعداد الجدي، ولو في مستويات دنيا، لمواجهة كارثة من هذا النوع والحجم؛ حتى شوارعنا لاتبدي حتى الإهتمام اللازم لاتقاء شرها؛ كما لا تلاحظ عليها أي استعداد للتخلي عن بعض العادات الإجتماعية التي تسهل وتزيد من حدة انتشار المرض (الإرتباطات العائلية القوية+ كثرة التجمعات...)، وهي كلها سلوكات توصي المنظمة العالمية للصحة بتفاديها، إضافة لنصائح وإجراءات خاصة بالأفراد والدول تلح هذه المنظمة، على الإلتزام بها كتدابير وقائية وعلاجية للحد من خطورة الداء. ولعل ما أثارني في ذلك البرنامج، هو تلك الجرأة والصراحة التي أدارت بها معدته النقاش، حول هذا الموضوع الحساس، والذي يستشفّ منه، أن هذا الداء يؤرق دولة بحجم وقوة فرنسا، بدأت تستعد له مبكرا، في سباق محموم قبل حلول فصل الشتاء، الذي ينتظر أن تكون كل العوامل الطبيعية مساعدة على انتشاره، طولا وعرضا، على أوسع نطاق بجميع أنحاء العالم.. حسب نفس البرنامج دائما، فقد تمت تعبئة جميع الإدارات والمؤسسات العمومية والخاصة، للتجند مبكرا لكل الإحتمالات؛ وتم وضع كل المستشفيات الفرنسية، في حالة تأهب قصوى مند الآن. كما يدور نقاش حاد وجدي حول الجدوى من بقاء أبواب المدارس مفتوحة في وجه التلاميذ، لما يكتسيه ذلك من خطورة على الجميع (هناك من هو مع وآخرون ضد، ولهم جميعهم مبرراتهم المعقولة)، كما ستبلغ نسبة التغيب، بسبب الوباء، 25% في القطاعين العام والخاص.. وسيتم اتخاذ إجراءات صارمة على مرتادي وسائل النقل العمومي والتجمعات العامة بالملاعب الرياضية والكنائس... وقبل هذا وذاك، سيكون الإعلام مدعو للعب دوره كاملا، ليس فقط في الإخبار، بل بالتواصل الإيجابي مع الناس... في بلدان متقدمة كفرنسا، يعترفون أنهم لم يصلوا بعد إلى المستوى المطلوب من الإستعداد والتأهب لمواجهة الخطر!! فكيف لبلد، كالمغرب، لا تتوفر مستشفياته حتى على أبسط المستلزمات الضرورية للإستشفاء، لازال مسؤولوه (يضربون الطم) ويتعاملون بمنطق الإستعلاء والتكتم، أمام خطر حقيقي يتربص بالجميع!؟ فهل نمتلك الشجاعة والوضوح نفسهما، للإعتراف بعدم قدرتنا على مواجهة الكوارث، من حجم فيضانات ناجمة عن بضع ساعات من التساقطات، فما بالك بوباء يأتي على الأخضر واليابس سُمّي (بأنفلونزا الخنازير)!!؟
.
.
الاربعاء, 30 سبتمبر, 2009
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








