مع الإنتشار الهائل لوسائل الإستقبال التلفزي الرقمي، عبر الأقمار الإصطناعية، أصبح الإنسان العادي عرضة لهجومات مستمرة من مضمون البث التلفزي العربي، والمادة المعروضة عبره. فإذا كان دور هذه الوسيلة هو تقريب المنتوج الإعلامي الجيد للمشاهد، عبر تمكينه من الإطلاع عليه بإيجابية وبأقل الأضرار الممكنة، فإن الأمر أصبح اليوم مدعاة لإعادة النظر في بعض أشكال ومضامين هذه المواد. خصوصا بالنسبة لنا كعرب؛ لأن الناذر جدا من القنوات من يمتلك بعضا من مواصفات الإعلام الهادف والبناء. القليل منها من يقدم مادته الإعلامية بصورتها المشرقة من دون البحث في تعقيدات الإنضباط الصارم للقوالب الجاهزة التي تثقل كاهل المبدعين الحقيقيين بهذا المجال. هؤلاء الذين يعيشون تجارب التهميش في أقبية بعض قنواتنا، كإجراء احترازي غير ضروري لكبح جماح طموحهم في خلق علاقة جديدة وجدية بين التلفزة العربية والمتلقي العربي؛ علاقة ملؤها الإحترام والتفاعل الإيجابي بين الجانبين.. على مدار السنة نتابع فصول دراما حقيقية بين القنوات العربية بعضها البعض. صراع مرير بينها على ادعاء الريادة، بمنتوجات وبرامج قاسمها المشترك: النزول بالمتلقي العربي إلى مستويات دنيا من الإستبلاد والرداءة مضمونا وشكلا. عندما تتابع قناتك المفضلة التي اخترت أن تضع بيضك في سلتها بالصدفة أو عن سبق إصرار وترصد، إما من خلال برنامج أو مادة فنية ما، تكتشف فجأة أنك أخطأت الهدف بعد أن تتابع برامج هذه القناة لمجرد أيام معدودة، بل في بعض الأحيان لمجرد وقت قصير. قد يعجبك هذا البرنامج أو ذاك، لكنك تحس بمرارة حين تلمس بالعين المجردة أن الأمر كله لا يعدو أن يكون سوى تنميق وخداع مكشوفين، وكأنك تتابع إحدى حلقات برنامج (خدع سينمائية) الشهير... تزداد خيبة أمل المشاهد العربي في قنواته، حين يحاول المجازفة بوضع مقارنات بسيطة بين ما يعرض علينا من مواد تلفزيونية عقيمة، وما يوجد في الكثير من القنوات الأجنبية الأكثر جدية ومهنية في تعاملها مع مشاهديها. عندما تضبط جهاز استقبالك التلفزي على إحدى هذه القنوات الغير عربية، تحس بالفارق الساطع الذي يفصل بيننا وبينهم شكلا ومضمونا. العملية ليست أحكام قيمة جاهزة أو إعجابا زائدا ومجانيا بالأجنبي؛ إنما الحقيقة واضحة.. العقد المعنوي الذي يربط تلك القنوات بمشاهديها، عقد صحيح ومتين، مبني على الإحترام والتأثير المتبادل، بل حتى التفاعل والإحساس بالقرب بين الجانبين. الإحساس نفسه، المفقود بين المشاهد العربي وقنواته التلفزية؛ إلى درجة أنك تشعر بالبعد والإغتراب، في المكان والزمان، وأنت تتابع بعض ما يقدم إليك، كأطباق غير مناسبة لوليمة من الولائم. يحاول البعض إقناع نفسه بضرورة الإقبال على المنتوج العربي، على الرغم مما يشوبه من شوائب، إلا أنه يصاب بالإحباط مع توالي الإستمرار في متابعة هذا المنتوج الذي يحمل بين طياته عوامل رداءته. القليل من القنوات التلفزية العربية من بدأ يشق طريقه نحو التصالح مع المتلقي العربي، وتصحيح العلاقة بينها وبينه. لكن الأغلبية المطلقة لازالت تصر على الإطلالة علينا بمنظار الجمود والرداءة حتى وإن عملت على مستوى الشكل على تغيير ثوبها الخارجي فقط. التلفزيون ليس صورة منمقة ومحتشمة للواقع، بل إبداع وتحرر من الرداءة لنشر المفاهيم البناءة وقيم الحرية.. لم يعد بالإمكان التدرع بالخصوصيات الثقافية والسياسية لكبح جماح هذه الوسيلة التوعوية التي أضحى دورها حاسما في خلق رأي عام واع ومتحضر، قادر على امتلاك حس إبداعي حقيقي غير مزور. لم تعد مساحيق العالم كله قادرة على إخفاء عيوب تلفزتنا التي تعيش على إيقاع شيخوخة سابقة لأوانها. قنوات قليلة جدا من تتوفر في عروضها اليومية، على الحد الأدنى الضروري من الجودة... بين هذه القناة وتلك يتيه المرأ في انتظار التخلص منها وإراحة الجميع من ضوضائها ومنتوجاتها الغير قابلة لأقتحام مجال المنافسة الشرس مع باقي منتوجات القنوات الأجنبية. المنافسة والصراع بين قنواتنا العربية لا يتم إلا على أرضية أيديولوجية لا تبتعد عن إطار فكري يصنف إما في خانة الخطاب الماضوي المتزمت الذي لا يرى بصيص النور للنجاة، إلا عبر قوالب عتيقة جاهزة، أو آخر يدافع عن قيم الإنفتاح الكلي والسافر على الميوعة والعري.. بين هذين الاتجاهين يتيه الإنتاج التلفزي وتصبح تلك القنوات مجرد مطرح لطمر النفايات، أو سوق للخردة تعرض فيه المتلاشيات... إنه خطاب وحيد في اتجاه وحيد، يناقض المنطق، والطبيعة البشرية التي تزخر بالحياة والتنوع، تلك هي سمة منتوجاتنا التلفزية العربية..
.
.
الاحد, 30 اغسطس, 2009
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








