مع اقتراب المواعيد الإنتخابية، تطل علينا بعض الكائنات البشرية من النوع الخاص جدا، تتكاثر أعدادهم وتزداد حركاتهم حدة من يوم لآخر، مع تقلص المدة التي تفصلنا عن يوم الاقتراع. وجوه لم يألفها الناس من قبل، وظواهر غريبة ترافق ظهورهم بالشارع العام. حركة غير عادية يتسبب فيها العديد منهم بالأحياء السكنية والدواوير البعيدة. يملئون الساحات العامة والمقاهي صخبا وضجيجا مملا. ملامح بعضهم تثير الشفقة من شدة التودد والتصنع الواضح، يحاولون الظهور بمظهر المنقذ القادر على فعل كل شيء وخدمة مصالح الجميع، على الرغم من كون غيابه قد طال مدة ليست بالقصيرة عن البلدة أو الحي. يظهر فجأة، ويبدي تعاطفه الطارئ مع الجميع، يتخلى عن كبريائه المعهود، لم يكن من عادته تحية أحد، أو حتى الرغبة في تبادل السلام مع أي كان من السكان.. يشرع في تلمس خيوط العملية، بداية من حضوره المكثف وسط الناس، وانتهاء بالبحث عن أناس يوصلونه إلى قلوب المنتخبين.. وعلى ذكر هؤلاء، فهم أيضا عبارة عن كائنات انتخابية يُعرفون باسمهم الحركي: (الشنّاقة)، وهو الإسم الأكثر تعبيرا عن الدور الذي يقومون به في كل المناسبات الإنتخابية. هم أنفسهم الذين يقومون بمهام كثيرة وفعالة في إذابة الجليد بين المرشح والقواعد، بطرق ملتوية في غالب الأحيان، ومدفوعة الأجر طبعا، كل حسب إمكاناته وقدراته على تبييض صفحات هذا الشخص أو ذاك، يطهرونه لك من كل أنواع الرذائل، ويغدقون عليه بكل أنواع المساحيق في محاولة تجميلية كاذبة لوجوه قبيحة. المناسبات والأمكنة كلها تتحول إلى مجالات للمزايدات حول مواضيع ذات صلة مباشرة بالسياسة والتدبير المحلي؛ وفي كثير من الأحيان يتم تناولها بصور مشوهة، يغلب عليها طابع الدعاية الفجة لهذا الوجه أو ذاك. من الناذر جدا أن تجد تجمعا يتناول المسألة الانتخابية بنوع من التجرد والموضوعية النسبية. والملاحظ أن (الشنّاقة)غالبا ما تجدهم يدافعون بكل ما أوتوا من قوة على رموز غارقة في أوحال الفساد، وفي الكثير من الأحيان، لا يمتلك معظم هؤلاء الأشخاص المدافع عنهم، أدنى الشروط الأساسية للترشح، إن على المستوى الفكري أو على المستوى الأخلاقي... ولذلك فهم في حاجة ماسة لهذا النوع من الخدمات التي يقدمها لهم هؤلاء (الشنّاقة)، الذين يعتبرون بمثابة أرانب السباق نحو كرسي التمثيل السياسي. هم أيضا بمثابة (برّاح) العصور الوسطى، حين كان بمثابة قناة أو بوق للتواصل، مكلفا بالدعاية وسط الناس بالمناطق النائية... بعض الذين قرروا المبادرة للترشح، في آخر لحظة بفعل فاعل، أصبحوا مجرد (برّاحة) و(شنّاقة) لأنفسهم. تجدهم يزيحون على وجوههم غبار النسيان، بفعل الغياب الطويل عن الساحة، ويبالغون في تجميل صورهم أمام الناس، من دون فائدة؛ معتقدين أن الغباء قد استبد بالجميع.. تنشيط مرحلة ما قبل الإنتخابات الجماعية المحلية أخد بعدا آخر، لا يخلو من الغرابة والتفاهة في آن واحد. فقد أصبح البعض من المرشحين المفترضين، يسلك طرقا بدائية للوصول إلى قلوب الناس، عبر المداومة على الحضور للولائم والمآتم بشكل غير معتاد؛ إلا أنه وعلى الرغم من بساطة الناس، فإنهم يراقبون الوضع عن كثب، ويثيرهم بؤس منظر هؤلاء. يدركون أن حبل التواصل بينهم وبين تلك الكائنات الإنتخابية الموسمية، قد انقطع بلا رجعة مند أمد طويل. يشترك (الشنّاقة) وهؤلاء في عزف سيمفونية رديئة بلا عنوان. والحقيقة أن حرارة اقتراب الإنتخابات، تصيبهم بعمى سياسي، يفقدون معه صوابهم وبصيرتهم، فيخبطون خبط عشواء، غير آبهين بصفارة الإنذار التي تنبههم لحالة شرودهم التي أصبحوا عليها من حيث لا يعلمون...
*ملاحظة: اسم الشناقة بالمغرب يطلق على الوسطاء بسوق الماشية...
للاسف هذه هي الحقيقة وهذا هو الواقع المؤسف دمت بخير