وقفة بسيطة على هامش الواقع اليومي لشارع من شوارع مدننا وقرانا، تجعلك مقتنعا أنه يشكل ركاما من السلبيات. يكفي الإنسان أن يركز جيدا ويتأمل هذا الشارع، بحجره وبشره، كي يقتنع أن الأمر يحتاج إلى إعادة النظر في الكثير من مضامينه.. عندما تنخرط راجلا،بإحدى الشوارع العامة، تحس أنك أصبحتَ مجبرا على المشي وفق إيقاع غير إيقاعك، تستطيع بدل مجهودات إضافية للإحتفاظ بما لديك من قدرات على التصحيح، إلا أنك لا تلبت أن تخضع، ولو ظاهريا، لإرادة غير إرادتك، على رغم أنفك، لأن سلطة الناس هناك، أكبر وأقوى من أن تقهر.. تقلق في البداية حين تخضع هذا الواقع للتدقيق والدرس، فتنزع عن العديد من الناس إنسانيتهم؛ ثم تتراجع إلى الوراء لتقبل الولوج إليه من دون إبداء أية مقاومة.. كل الأشياء التي ترفضها أو تلك التي تقبلها تتواجد بكثافة هناك. لا مجال للإختيار، ولا قدرة لأي شخص على إلغاء أو تغيير جزء ولو بسيط من هذا المشهد السريالي لشارع فقد السيطرة على ذاته. عندما تختار الإطلالة عليه من فوق لتتلمس بعضا من حقائقه المرئية، تصاب بحيرة شديدة وتدرك أن المسألة أعقد مما تتصور، كلما اقترب الإنسان من فك بعض ألغازها إلا وتغيرت معالم مكوناته، لتدخل من جديد إلى عالم أكثر تداخلا وتعقيدا، من الصعب تفكيك عناصره. لا تجانس، ولا منطق لكل ما يقع داخل هذا الفضاء/ الشارع المليء بالحركة. الأشخاص يتحركون في اتجاهات متعددة، يبدو، من خلالها، أن الكل اختار أن يسير في الإتجاه المعاكس للآخر. حتى ملابسهم تبدوا غير متجانسة إلى حد النفور، ويخيّل إليك أن أنواع ألبسة العالم كله تكاد تكون حاضرة بهذا الشارع.. الألوان هي الأخرى غير متناسقة، ولا تنمّ عن أن هناك تقاربا في الأذواق والتصرفات. شوارعنا تكاد تشبه سوقا للملابس المستعملة، أو ساحة للمتلاشيات المتهالكة، لاشيء يجمع بين عناصرها.. عندما تتابع خُطا روّاد هذا الشارع، تستنتج للوهلة الأولى أنهم يسيرون في اتجاهات بلا هدف، وحركاتهم تبدو بلا معنى.. حتى أولئك الغير منخرطين في جدبة الحركة تلك، تجدهم متسمرّين في كراسيهم بمقاه متاخمة للشارع، وفي الكثير من الأحيان، محتلة لجزء كبير من الطريق الخاصة بالراجلين.. تراهم متكومين بعضهم على بعض، يتحدثون بدون انقطاع، عن أشياء كثيرة، إلا المعقول منها. عندما يفشلون في إقناع بعضهم البعض، يتخاصمون،يشتمون ويكيلون لبعضهم البعض التهم والنعوت القدحية؛ ثم يغادرون الجمع لينخرطوا في حركة الشارع من جديد.. يقطعون الطريق طولا وعرضا، ويرمون بأعقاب سجائرهم على الأرصفة.. لا أحد بإمكانه إيقاف كل تلك الظواهر السلبية بالشارع العام، وكأن الجميع استسلم لها وفقد الأمل في مراجعة هؤلاء لسلوكياتهم الغير سليمة، بجميع المعايير الدنيوية والدينية؛ حتى أضحت ممارسات من ذلك النوع الرديء هي القاعدة، وغيرها من التصرفات الإيجابية، استثناء. وجوه غارقة في وحل التفكير على هوامش القضايا الأساسية، منهمكة في النبش وسط قمامة جزئيات تافهة؛ وآخرون منشغلون بترصيع صورة وجوه أناس، ملطخة بأوساخ غير قابلة للزوال. فيما الباقي يتحرك،عبر الشارع، من دون حاجة للانضباط للقواعد الإجتماعية المنظمة لذلك، في تحد صارخ لأبسط حدود النظام الطبيعي للسير والجولان والحياة. تجد بعضهم يهرع للتخلص من بقايا طعامه الفاسد على جنبات الشارع العام؛ فيلقي أحدهم كيسا بلاستيكيا من النوع الرديء على الرصيف من دون تردد، تنبعث منه على الفور رائحة كريهة.. في مشهد يؤثث لفصول مسرحية يومية، تعرض باستمرار في الهواء الطلق، أبطالها أشخاص اختاروا عدم الإلتزام بالنص الحرفي للمسرحية.. الكثير من هؤلاء الممثلين السيئين، يزدحمون في أجزاء كبيرة من فضاءاتنا العامة وشوارعنا، حتى أضحت مسرحياتهم بلا طعم، ولا لون بل وبلا معنى... كم كانت وجوههم شاحبة وبشعة، وهم منخرطون في حركة أشبه بجذبة، لا هدف من ورائها سوى إلحاق أكبر الضرر بالحجر والبشر. تلك هي مسرحية أناس فاسدين يحملون في بواطنهم طاقة هائلة من الهدم والتدمير.. فمتى تتم إزاحة هؤلاء من مسرح شوارعنا!؟
.
.
الاثنين, 30 مارس, 2009
أضف تعليقا
اضيف في 08 ابريل, 2009 12:32 ص , من قبل mobadara2
من المغرب
من المغرب

كم كان تعليقك مهما بالنسبة لي لما أضافه من أفكار لهذا النص ومساهمة في النقاش حول الموضوع.. مع تحياتي لك يا وهم..
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.










من البحرين
فمتى تتم إزاحة هؤلاء من مسرح شوارعنا!؟
لا تستغرب إجابتي عندما أقول أنه لن تتم إزاحتهم أبداً ولو حاولنا فحتما سيظهر آخرون يسيرون علة خطهم ..
أتعلم لماذا ؟
تلك هي الحياة الدنيا وما يجب أن تكون عليه .. خير وشر ، طيبة وفساد ، أمل ويأس ، فرح وسعادة... والكثير من التضادات التي لن نشعر بها إلا بوجود نقيضها ..
وكل مسرحية يجب أن تجمع أركانها تلك الأسياسيات لضمان النجاح وبنو البشر من يختار أي المسرحيات يشاهد و يتابع !!
فكرٌ رائع سيدي ... تقبل مروري
.. وهــــم ..