قـف بالهـامــــــــــــــش..!!
مبادرة الأمـــــل
.
.

فيضانات مهولة لنهر سبو بالخنيشات..

      لم يكن أحد من ساكنة الدواوير الممتدة على طول ضفاف نهر سبو يعتقد أن هذا النهر لا زال بمقدوره الخروج بمياهه عن مجراها الطبيعي.. اطمأن الجميع لعجز هذا النهر الذي اسستسلم لهذا القدر مند سنين طويلة من الإستقرار والهدوء الذي طبع علاقته بمحيطه الجغرافي والبشري.

  فبعد أكثر من 40 سنة من التعايش مع هذا المحيط ؛ ينتفض النهر العجوز فجأة ويكشر عن أنيابه، إذ   بعد أن بلغت نسبة الملأ بأهم السدود الموجودة على هذا النهر، ومنها على الخصوص، سد ادريس الأول، أقصى درجاتها خلال أواخر شهر يناير، وبعد تزايد كمية التساقطات المطرية التي همت المنطقة خلال بداية شهر فبراير؛ تملك الجميع الخوف من تكرار قسوة هذا النهر خلال فيضاناته سنوات 1964 و1967 وسنة 1971، شعر الجميع بخطورة سبو العجوز، الذي بدا وكأنه في حركات تسخينية لإسترجاع قوته وهيبته التي فقدها مند زمن طويل؛ خصوصا بعد سلسلة من التحذيرات والبلاغات الرسمية وغير الرسمية حول الخطورة التي أصبح يشكلها على ساكنة ضفافه. زيادات متكررة في مستواه الإعتيادي، خلال أيام متقاربة، وتراجع في صبيبه بين الفينة والأخرى. وكان الجميع يتابع هذه الحركات الغير عادية لهذا النهر، بكثير من القلق والترقب، خصوصا بعد الإنذارات المتكررة الصادرة عن السلطات المحلية، حول الزيادات المحتملة لمنسوب مياهه لمرات مضاعفة...

    في ظل جو ماطر، تلقى سكان الدواوير الممتدة على ضفاف سبو، نبأ غير سار هذه المرة.. فقد عمل أعوان السلطة والمنتخبون على إبلاغ الساكنة، بضرورة توخي الحيطة والحذر من احتمال زيادة صبيب النهر بشكل غير عادي. كان الخطاب واضحا وأكثر جدية.. أحس الجميع بالخطر الداهم؛ فانتشرت التأويلات، إلى درجة أن ذلك فتح مجالا واسعا للإشاعة؛ فأخذ الناس يتناقلون أخبارا مفادها "وجود شقوق بالسد واحتمال انهياره بشكل كامل في أية لحظة!!"... استمرت الوضعية على حالها إلى غاية صباح السبت، حيت استمر نفس الجو الماطر، ولم يكن من اهتمام للناس سوى "واد سبو"، الذي بدأت أولى زيادات منسوبه تظهر بشكل واضح على جنبات مجراه.. بدأ السكان يتعاملون بنوع من الجدية، على غير عادتهم، مع تحذيرات السلطات. فأصبحت المراقبة جد دقيقة لمنسوب المياه، وأصبحت الزيادة في كمية المياه بمجرى الواد ترتفع بشكل ملحوظ، وبمعدل يفوق المألوف. استمرت وضعية مياه النهر في الإرتفاع، بشكل سريع، إلى غاية حوالي الساعة السابعة من مساء السبت 7 فبراير2009، حيث وصلت نسبة ملء الوادي أقصى درجات الإحتمال. فدقت ساعة المأساة مع تسرب أولى كميات الماء  خارج مجراها الطبيعي. آنذاك لم يعد أمام الجميع مجال للشك في إمكانية العودة إلى زمن الفيضانات الكبرى، التي كان بطلها نهر سبو في الماضي. أخد الناس ينتبهون شيئا فشيئا إلى ضرورة فعل شيء ما للتصدي لهذا الخطر. انتظم العديد من الأشخاص، داخل الدواوير، في مجموعات لمراقبة الأماكن التي يتم عبرها تسرب المياه خارج المجرى، لإخبار الجميع بذلك بصورة مباشرة أو عبر مكبر صوت المساجد.. يتجمع الجميع في المكان المذكور، ويقومون بوضع الحواجز الترابية لمنع تقدم تلك السيول  الجارفة، ثم يتحولون إلى نقطة تسرب أخرى ليقومون بنفس العملية، في صراع مستمر مع الزمن لمنع زحف المياه إلى داخل الدوار، معتمدين في ذلك على إمكاناتهم الذاتية ليس إلا.

   حرب حقيقية تلك التي خاضها سكان هذه الدواوير مع هذا النهر الهائج. ليلة بكاملها قضاها الجميع خارج المنازل، في انتظار الخلاص؛ خصوصا بعد طلب السلطات من الجميع إخلاء المساكن، فأمرت بإجلاء السكان عن المناطق المهددة، عبر استنفار عدد من الجرارات المحلية الخاصة أو تلك التابعة للجماعة المحلية. لحظتها لم يعد أحد يشك في كونه أصبح رهينة لدى سبو. أصبح شكل الواد، وهو يتمدد، مخيفا. واستمر التسرب خارج المجرى، بشكل أقوى وأكبر. وأصبحت أخبار المسافات التي قطعتها المياه المتسربة من النهر، بهذا الدوار أو ذاك، تطغى على أحاديث الجميع، ويتناقلها الجميع بشكل سريع..

ومع بروز أولى خيوط صباح الأحد 08/02/2009 ،  انكشف حجم تمدد مياه النهر، الذي غطى مساحات شاسعة، ولم يعد بالإمكان ثنيه عن الحركة والإنتشار في اتجاهات مختلفة من اليابسة. لم يعد أمام العديد من الأسر، سوى التسليم بالعجز عن رد هذا الخطر الداهم؛ فبدأت عملية النزوح القسري لعدد كبير من السكان خارج دواويرهم. في حين فضل الكثير منهم الصمود في وجه تلك الفيضانات المهولة، والبقاء داخل الدوار دون الاكتراث بتلك المخاطر. استمر تدفق المياه بقوة عشية يوم الأحد، ونجم عنه تهدم العشرات من المنازل الطينية، الذي تفاوت عددها من دوار إلى آخر..

    التجأت غالبية العائلات المنكوبة إلى مركز الخنيشات، الذي اكتضت شوارعه بهؤلاء. وبدأت الصورة المأساوية للمنطقة تلوح في الأفق، مع استمرار تدفق نازحين جدد من أماكن الخطر، خصوصا مع وصول أولى فرق الوقاية المدنية، وتزايد عدد المتطوعين المحليين للإنقاد والنقل.. طرح في البداية مشكل إيواء هؤلاء المنكوبين، إلا أن ذلك حُلّ عن طريق تجميعهم داخل ثلاثة مراكز استقبال أساسية: مركز الإستثمار الفلاحي، دار الطالب، وإعدادية جابر بن حيان، بالإضافة طبعا، لمساهمة بعض الخواص والمتطوعين.. وقد تجند السكان داخل مركز الخنيشات، من أجل تهييء الظروف المناسبة لإستقبال الوافدين، من خلال التعبئة المحلية الشاملة لتقديم المساعدات الغذائية وتوفير الأغطية ومختلف مستلزمات الحياة لهؤلاء. وعملت فعاليات المجتمع المدني ومتطوعون محليون، على تحريك عملية التضامن التي استجاب لها الجميع بكل عفوية وتلقائية، في سابقة فريدة لم تشهدها الخنيشات من قبل..

    استمر النزوح بشكل مكثف إلى هذا المركز، حتى ضاقت شوارعه وأزقته بالزوار الجدد. وقد سجل الجميع، خلال هذه المرحلة، غياب الإعلام العمومي عن تغطية هذه المأساة في حينها، وخاصة القناة الأولى والثانية، وخلق لدى المتضررين نوعا من الإقصاء والتهميش الغير مبررين.. خصوصا وأن الأمر ترافق أيضا مع غياب واضح، لأي حضور رسمي من مستوى رفيع، كما جرت العادة في مثل هذه الظروف؛ يمكنه أن يقدم للمنكوبين، دعما معنويا هم في حاجة ماسة إليه. الشيء الذي فتح المجال للتأويلات والإشاعات، حول تهميش رسمي مقصود لهذه المنطقة.. كما لا حظ الجميع بكثير من الإنزعاج، محاولات بعض العناصر المحسوبة على توجه سياسي معين، لإستغلال مأساة هؤلاء؛ وتقديم بعض المعونات السخية الملغومة، في عملية دعاية مكشوفة، ذات أهداف انتخابوية دنيئة. بالإضافة إلى محاولة البعض الآخر، إقحام المتضررين في صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فقط من أجل أهداف سياسوية ضيقة.

  وقد بلغ عدد الدواوير المتضررة بشكل مباشر بفيضانات سبو، داخل جماعة الخنيشات لوحدها حوالي 13 دوارا، وأتت الفيضانات على حوالي 1000 منزل، ما بين مهدم بشكل نهائي وآيل للسقوط..

أحداث الخنيشات غطت على كارثة الفيضانات

        صباح الثلاثاء 10 فبراير 2009 ، ومع تزايد حاجيات ومستلزمات المنكوبين بمركز الخنيشات. كان البعض قد بلغ مستوى كبيرا من اليأس والإحتقان بسبب الإحباط والقلق الكبير الذي بلغه هؤلاء بفعل الشحن والوشاية والإستغلال السياسوي لبعض الجهات المحلية لمأساة الضحايا. وقد وصل الضغط دروته حين قامت هذه الجهات بالإبلاغ عن وجود قافلة للمساعدات، كان سيتم توزيعها على الضحايا خلال ذلك الصباح.. تجمعات غير عادية هنا وهناك، وجهات محلية هنا وهناك تتحرك بين هذه التجمعات ومراكز الإيواء. لتندلع في حدود الساعة العاشرة صباحا، حركة  احتجاج عنيفة عبر الشارع الرئيسي، من خلال مجموعة صغيرة في البداية، لتصل فيما بعد إلى حوالي 1200 مشارك من مختلف الأعمار، نساء ورجالا؛ اختلط فيها المنكوبون بغيرهم. وتطورت الأمور ، ليخرج الإحتجاج عن إطاره الطبيعي، ويتحول إلى أعمال تكسير لواجهات المحلات التجارية والمقاهي والسيارات و الأبناك وغيرها... وانتهى بعملية اقتحام لمقر الجماعة القروية والقيادة، والإستيلاء على المساعدات الغذائية التي وصلت إلى هناك في ذلك الصباح. لتنتهي تلك الحركة الإحتجاجية، بحصيلة خسائر مادية ثقيلة. عملية التظاهر العنيفة تلك، لم تكن منظمة، ولم يكن أصحابها الحقيقيون، الذين قادوها عن بعد، ينتظرون انقلابها بهذا الشكل العنيف الخارج عن السيطرة.. ويرجع ذلك بالأساس إلى ضعف التأطير السياسي والجمعوي، الذي تشكو منه المنطقة، بالإضافة طبعا إلى عوامل موضوعية أخرى، كالإحساس بالتهميش، وضعف التواصل بين هؤلاء والمسئولين على الإشراف على عملية توزيع تلك المساعدات..

ومن النتائج المباشرة لتلك الأحداث العنيفة، وصول تعزيزات أمنية كبيرة، من قوات الدرك الملكي، والقوات المساعدة، بالإضافة إلى حضور مكثف لعناصر الإستعلامات العامة وعناصر من المخابرات (الدستي).. وتم تطويق مركز الخنيشات بالكامل، وقد تم وضع الجميع في حالة تأهب قصوى لمواجهة الطواريء..في حين شرعت عناصر الضابطة القضائية في إجراء بحث معمق، لتحديد هويات المشاركين في تلك الأعمال، وتم الشروع في حملة اعتقالات واسعة.. في حين، كان قرار وزير الداخلية، مساء نفس اليوم، عبر نشرة الأخبار، بالقناة الأولى والثانية، عبارة عن "القشة التي قسمت ظهر البعير". إذ أعلن، في بلاغ رسمي،عن تعليق تقديم المساعدات الغذائية لمنكوبي الخنيشات. ورغم القلق الذي تملك هؤلاء، فإن عملية تقديم المساعدات لهم، من قبل السكان المحليين، لم تنقطع.

 ونتيجة لتلك الفيضانات والأحداث المرافقة لها، أصبح اسم الخنيشات متداولا بشكل كبير على المستوى الوطني على الأقل. وأصبح مادة دسمة للصحافة ؛ إذ بعد التهميش الطويل للإعلام المرئي والمكتوب،  أصبح اسم الخنيشات، عنوانا رئيسيا لمختلف الصحف الوطنية..

القضاء وأحداث الخنيشات

   وارتباطا بأحداث الخنيشات، فقد أصدرت المحكمة الإبتدائية لسيدي قاسم يومه الخميس 19 فبراير 2009، أحكاما تراوحت بين شهرين و عشرة أشهر حبسا نافذا في حق المعتقلين العشرة الذين أحيلوا على القضاء، في حالة اعتقال. وقد تمت إدانتهم بتهم، تراوحت بين العصيان، الذي نتج عنه ضرب وجرح وسرقة وإلحاق خسائر مادية بمنقول الغير، وبين التجمهر الغير مرخص والشغب والتحريض عليه، والتخريب والنهب، وإلحاق خسائر بملك الدولة والخواص... وكانت لائحة المعتقلين كالتالي: هشام المراني عشرة أشهر نافذة، برزيت سعيد ستة أشهر نافذة، حسن عزام ستة أشهر نافذة، ادريس الشوك ستة أشهر نافذة، احمد طيطة ستة أشهر نافذة، الوافي بوجمعة ثلاثة أشهر نافذة، برزيت مجيد شهران نافذان، المصباحي عبد العالي شهران نافذان، جمال مداد ثلاثة أشهر نافذة، المزابي جواد شهران نافذان.

  وقد آزر هؤلاء، حوالي 32 محاميا، من هيآت القنيطرة وسيدي قاسم، والرباط، وتطوان وفاس ومكناس.. وطالبوا، عبر مرافعاتهم، باستدعاء شهود الإثبات، والتماس البراءة لموكليهم..

زيارات رسمية محتشمة

   أهم الزيارات التي قام بها مسؤولون رسميون وحزبيون للخنيشات، على إثر هذه الفيضانات، نسجل فقط، زيارة تفقدية لعامل الإقليم يوم 13/02/2009 ، وكذا زيارة وفد من الإتحاد الدستوري، يترأسه رئيس الفريق بالبرلمان.. كما نظمت عدد من الفعاليات السياسية والحقوقية والنقابية، يومه الأحد 22 فبراير 2009 ، قافلة للتضامن إلى الخنيشات في شكل زيارة ميدانية تضامنية. تميزت بتنظيم وقفتين احتجاجيتين، بكل من دوار أولاد برحيل، الدوار الأكثر تضررا من فيضانات سبو الأخيرة..  وتم اختتام هذه الزيارة، بوقفة احتجاجية أمام مركز الدرك الملكي بالخنيشات.. وتخللت الوقفتان شعارات منددة بواقع التهميش، وضرورة مساعدة المنكوبين على تجاوز مشاكلهم مع السكن، وتقديم الخدمات اللازمة لهم.. كما تم الإلتقاء ببعض أسر المعتقلين؛ وطالب المنظمون بإطلاق سراح معتقلي أحداث الخنيشات.. وقد ضمت القافلة عددا من الفعاليات السياسية والنقابية والحقوقية، منها على الخصوص: النهج الديمقراطي القاعدي، الحزب الإشتراكي الموحد،الحزب العمالي، المنظمة الديمقراطية للشغل، الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي (الإتحاد المغربي للشغل)، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان...

 في حين تم تسجيل غياب المسؤولين الرسميين، من المستوى الجهوي والمركزي؛ الشيء الذي يعكس واقع التهميش الرسمي الذي تعيشه المنطقة ككل.

    وتفرض هذه الكارثة على الدولة التفكير الجدي في حلول استعجالية على المدى القريب جدا، لمشاكل هؤلاء المتضررين، وخاصة على مستوى السكن، حيث لازال هؤلاء يعيشون، رفقة عائلاتهم، داخل خيام بلاستيكية، وفي ظروف مأساوية، تنعدم فيها أدنى الشروط الأساسية للعيش الكريم.. بالإضافة إلى مشاكل أخرى مرتبطة بالصحة والتعليم.. والعمل بشكل جدي، على اتخاد  كل الإجراءات اللازمة للوقاية من الفيضانات مستقبلا..       
 
*ملاحـــــظة:الخنيشات جماعة قروية تابعة لإقليم سيدي قاسم، يبلغ عدد سكانها حوالي 20000 نسمة، تقع إلى الشمال الغربي من المغرب..
 
 
 
 
 

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.