أصبحت زيارة المؤسسات العمومية عبئا ثقيلا على العديد من المواطنين، فعلى الرغم من الحاجة الملحة لهذا المواطن لدى هذه المؤسسة أو تلك، من أجل الاستفادة من خدمة ما، فإن العديد منهم أصبحوا اليوم يحاولون ما أمكنهم الإستغناء عن فكرة الزيارة تلك.. الأمر لايحتاج إلى تحليل نفسي عميق لتشريح الظاهرة، وتفسير أسبابها ومسبباتها؛ بل المسألة في غاية البساطة، ولا تتطلب كل ذلك الجهد الفكري، من أجل الوصول إلى حقيقة مفادها: أن علاقة إداراتنا العمومية، بالخصوص، بالمواطن سيئة إلى أبعد الحدود.. يكفي الواحد منا أن يزور إحداها، ولو على سبيل الفضول، ليكتشف عمق الأزمة التي وصلت إليها هذه العلاقة. لم يعد بالإمكان التغطية عليها، أو التستر على بعض ملامحها. كل المساحيق التي حاولت تلميع صورتها بدأت تتلاشى، ولم تعد الشعارات الرنانة، التي رددها الإعلام الرسمي، تنفع مع العديد من الممارسات الغير قانونية واللاأخلاقية التي أضحى المرفق العمومي مسرحا لها.. شعارات من صنف: (تقريب الإدارة من المواطنين)؛ (الإنفتاح على المحيط)؛(اللامركزية واللاتمركز)؛ (الإدارة في خدمة التنمية)... كلها مجرد عناوين بلا مضامين في الواقع المعاش؛ لم تنعكس بالشكل الإيجابي المطلوب، لا على المواطن الذي يقصد هذه الإدارات لقضاء مآربه الخدماتية المشروعة. ولا على المسؤولين بها، الذين لم يتجاوبوا معها، فصمّوا آذانهم في وجه كل محاولات الإصلاح التي تم تجريبها على خارطة التدبير اليومي للخدمات الإدارية، مخافة فقدان الكثير من مصالحهم الحيوية... زوّار هاته الإدارات يكادون يُجمعون أن أغلب المسؤولين بها، والقائمين على تدبير شؤونها، يستقبلون الناس في إداراتهم (إن فعلوا ذلك طبعا) بشكل غير لائق... ينتظر المواطن زمنا طويلا داخل هذه الإدارة أو تلك، ليفاجأ بعدم (رضا) هذا المسؤول أو ذاك، على هذا التواجد المستفز(لسيادته طبعا) بهذا المكان والزمان الغير مناسبين؛ فترى بالعين المجردة عبارات السب والقدف، في حق البلاد والعباد، ترتسم على شفتيه في شكل همهمات.. بل منهم من لايطيق حتى مجرد جمعٍ بسيط من بعض المواطنين تجمهروا فازدحموا أمام باب إدارته (بفعل بطئها وبيروقراطيتها) طلبا لخدمة ما؛ فيختار صاحبنا الباب الخلفي لمكتبه ليتفادى مضايقات (البخوش).. لم يعد بعض المسؤولين يخفون انزعاجهم من إقبال الناس على طلب الخدمات من إداراتهم، فيتحايلون عبر موظفيهم، لنصب فخاخهم على الجميع، عبر وضع عراقيل وشروط عرقوبية لطالب هذه الخدمة أو تلك، إما بأداء رسومٍ مبالغ فيها، هي أقرب إلى الرشاوى منها إلى الرسوم القانونية، أو إمطارك بأصناف من الوثائق اللازمة والأخرى الزائدة على اللزوم، من أجل إحباطك وإجبارك على المغادرة قبل الأوان، خاوي الوفاض، من دون الظفر بأية خدمة، سوى الرغبة في دفن شعارات من قبيل ( الإدارة في خدمة المواطن) إلى مثواها الأخير، وقراءة اللطيف على الباقي... ترى متى يتم وضع حد لهذا التوتر في العلاقة بين المواطن وإدارته؟؟ عبر إقفال كل الأبواب الخلفية لإداراتنا العمومية؛ وابتلاع مسؤولينا لألسنتهم المروّدة على (تخْصار الهضْرة)، وتهييء فضاءات الإدارة للاستقبال، وليس للطرد والعدوان.. لم يعد ممكنا الآن، رفع أي شعار من شعارات التنمية، دون إصلاح الإدارة العمومية إصلاحا حقيقيا وبنيويا، وليس شكليا، كما المحاولات السابقة، التي أتبت الواقع أنها مرتجلة وفاشلة.. الإدارة بشكل عام، في الدول المتخلفة، تعكس درجة تخلف هذا البلد أو ذاك، والعقلية المتخلفة للقائمين عليها..بحيث أن مستوى تطور بلد ما، مرتبط إلى حد بعيد بمستوى تحضر القائمين على إدارته؛ وأضحت وضعية الإدارة وأسلوب تعاملها، معيارا من بين العديد من المعايير الأخرى المعتمدة، لترتيب هذا البلد أو ذاك في سلم ودرجات التنمية... لذلك لا نفاجأ مستقبلا، إذا ما كان ترتيبنا، في سلم التنمية البشرية، متدنيا كباقي الدول المتخلفة الأخرى، ما بعد المئة... aameroldsellam@yahoo.fr
.
.
الاربعاء, 28 اكتوبر, 2009
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








