يوم السبت 17 يناير 2009 ، سيبقى يوما مميزا في تاريخ الشرق الأوسط برمته، والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص، إذ سيؤرخ لنهاية عدوان لا حدود لعنفه وقسوته.. هي أقرب إلى حرب إبادة منها إلى حملة لإيقاف إطلاق صواريخ تقليدية.. 22 يوما من استعمال مفرط لترسانة حربية جد متطورة، في مقابل صدور شعب أعزل، مسلح فقط بما تبقى من إيمانه بعدالة قضيته.. المتتبع للتطورات المتسارعة التي عرفها ذلك اليوم، يكتشف دونما عناء، أن أشياء كثيرة ومتداخلة وقعت في لحظات متقاربة.. زيارات متتالية ومكثفة لمسئولين أتراك، لكل من دمشق وتل أبيب والقاهرة، وتحرك دبلوماسي فرنسي على مختلف المحاور، ونشاط مكثف لبان كيمون، لدى كل من إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية ومصر، بالإضافة طبعا لزيارات متكررة لوفود عن قادة حماس في الداخل والخارج للقاهرة... الجميع بما فيه الولايات المتحدة و إسرائيل، كان يراهن على عامل الزمن لتحقيق مكتسبات ما... والجميع حاول إرضاء هذا الطرف أو ذاك للتأثير في مجريات الأحداث، حسب نفوذه وتعاطفه مع هذا الطرف أو ذاك... البعض استغل عامل الوقت والتأني في اتخاذ قرار الضغط على أي من الطرفين، في انتظار ما ستسفر عنه تلك الهجمة الشرسة على غزة من مكاسب لصالح المعتدي، وقد ظهر جليا ذلك، من خلال الموقف الرسمي لأمريكا والإتحاد الأوربي (موقف التشيك التي تترأس الإتحاد). والبعض الآخر اعتبر البطء الشديد الذي يتم وفقه الإعداد لوقف العدوان، بمثابة مؤامرة يتم الترتيب لها من قبل إسرائيل وحليفتها الإستراتيجية أمريكا. وقد مثل هذا الموقف النظام الرسمي العربي الذي يوصف بأنه "ممانع"، والذي تفاجأ بحجم الدمار الشديد الذي تباشر به القوات الإسرائيلية تدخلها بغزة. كما أصيبت الأنظمة العربية كلها، بهلع شديد من حجم ردة فعل الشارع العربي، الذي ضغط بفعالية من أجل تحريك (حكمة الصمت) الرسمي، الذي راهن في البداية على محدودية الضربة العسكرية في الزمان والدمار... أصبح النظام العربي، خلال اليومين الأخيرين، أكثر جدية ودينامكية من السابق، وسعى بكل الوسائل من أجل إيقاف تطور الأمور، بجميع الوسائل الدبلوماسية الممكنة.. هذه الوضعية أدخلت العديد من الأقطاب والتيارات الرسمية العربية، إلى حلبة الصراع والمنافسة، من أجل فعل شيء ما لإخراج الجميع، أو البعض على الأقل، من دائرة الإحراج أمام الرأي العام العربي والفلسطيني على الخصوص، بعد إدراكه فداحة نتائج العدوان... المهم أنه لأول مرة مند بداية العدوان تكشفت نوايا أغلبية الزعامات العربية الرسمية؛ وأصبح التسابق على الاصطفاف وراء هذا القطب أو ذاك، سمة واضحة لوضع عربي وجد نفسه فجأة مجبرا على اتخاذ موقف إزاء ما يجري، وفق نموذج هذا القطب أو ذاك... حتى على المستوى الفلسطيني نفسه، انساق الجميع وراء هذا الاصطفاف الكبير. وكان لذلك انعكاسه الكبير على مستوى الخطاب الإعلامي العربي، الذي عبر عن نفسه بشكل واضح من خلال القنوات التلفزية لهذا القطب أو ذاك... وحده الشارع العربي، رغم بعض الحالات، استطاع تفادي هذا الشرخ والتباين بين صفوفه، يسارا ويمينا، على اعتبار أنه توحد، حركة وشعارا، من أجل هدف واحد، هو دفع الأنظمة من أجل التحرك لدعم الشعب الفلسطيني في غزة ووقف المجزرة... كل التحركات الرسمية التي باشرها العرب، في ظل وضعية الاصطفاف هاته، كانت تنم عن قصور وعجز مركبين، إذ أن الجميع برهن على عدم قدرته على توظيف نقاط قوته، لإحراز نتائج إيجابية، مهما كان مستواها. لا القوى التي توصف "بالممانعة"، كانت قادرة على توظيف قواها المادية والمعنوية، ولا القوى "المعتدلة"، وفي مقدمتها دول الخليج، كانت هي الأخرى قادرة على التوظيف نفسه، لإجبار إسرائيل، ومعها أمريكا، لوقف العدوان. الملاحظة الأساسية التي انكشفت للرأي العام العربي، قبيل نهاية هذه الهجمة على غزة، هي أن مصر ظلت متمسكة بملف غزة ومصيرها، رغم العواصف القوية من النقد الحاد لأدائها وأداء نظامها مند بداية الحرب. وظهر النظام المصري وكأنه لا يريد أو يخاف، تهريب هذه القضية إلى القطب "الممانع".. جميع الأطراف المعنية بالأمر، كانت مطمئنة لدور مصر الرسمي في هذه القضية، بما في ذلك حركة حماس (على الرغم من كل ما قيل في حينه عن هذا الدور)، وإسرائيل والعديد من الدول العربية "المعتدلة". وحده الشارع العربي كان نقده عنيفا، إزاء حكام مصر، و أقل حدة للقطب العربي الرسمي "الممانع"... ظلت مصر وكأنها تمسك بعصا سحرية لإقناع الجميع بأنها الوحيدة، في المنطقة على الأقل، القادرة على فعل شيء ما لإنقاذ الأطراف من هذا المأزق المظلم الذي دخلته هذه العملية العسكرية العنيفة؛ إنقاذ إسرائيل أولا، ثم حماس ثانيا وباقي الأنظمة العربية.. وفي ظل ذلك، بدت قمة الدوحة بجسد دون رأس، في غياب مصر بدرجة أولى، والسعودية والسلطة الفلسطينية بدرجة ثانية؛ على الرغم من المواقف والقرارات الإيجابية التي تم اتخاذها، بحضور وفد من المقاومة أشغالها لتعويض السلطة.. حاول الجميع تبرئة نفسه وتياره من صفة التواطؤ، التي تكرر اتهام الأنظمة العربية بها. وقد بدا جليا أن لاشيء يمكن لهؤلاء منحه للقضية الفلسطينية عدا امتصاص غضب الشارع، وتبني شعارات رددتها بعض أنظمة القطب "الممانع" للتمويه على العجز وضيق هامش التحرك بالنسبة للجميع. مصر التي قاطعت القمة بمبررات واضحة وأخرى خفية، تمسكت بحقها في التسوية، وأعطت إشارات، لا تدع مجالا للشك، على أنها لا يمكنها التفريط في وصايتها على غزة وأهلها.. الطريقة التي أدارت بها الأشواط الأخيرة لهذه التسوية، كانت تؤشر على أن هناك أشياء كثيرة تطبخ في الخفاء، لإيجاد حل مقنع للجميع. الدلائل جميعها، كانت تشير إلى أن اللمسات الأخيرة لإخراج سيناريو حلٍّ مقنع يحفظ ماء وجه إسرائيل والنظام العربي، للتغطية على الأضرار والخسائر الفادحة (المادية والمعنوية، رغم تباينها من طرف لآخر)، بين هذه الأطراف الثلاثة، بما فيها حماس... في ظل العدوان. الكل زعم أنه ليس عاجزا، وان بإمكانه ممارسة لعبة حضور القمم، أو الدعوة إليها، كما حدث مع قمة الخليج الطارئة بالرياض، بدعوة من ملك السعودية، الذي أعلن مقاطعته لقمة الدوحة، ونفس الشيء سيحدث مع مصر فيما بعد، أي يوم الأحد 18/01/2009 في قمة شرم الشيخ التي أرادها مبارك أن تكون شبه دولية.. أقطاب التيارات العربية الرسمية دخلوا في مواجهة بينية عنوانها: المزايدة بالدعوة إلى قمم واجتماعات طارئة، للرفع من قيمة أسهمها لدى الرأي العام العربي. وحدهم مصر وإسرائيل وحماس، كانوا على علم بما يجري في ردهات صالونات المفاوضات السرية بالقاهرة؛ ووحدها مصر، بين العرب، كانت تعي مدى جدية إسرائيل في السير بالحرب والعدوان إلى نهاية النفق، وهي التي أبلغت حماس بكل تفاصيل المخطط الإسرائيلي الجهنمي ضد غزة، إذا لم يتم القبول بفحوى ما عرف (بالمبادرة المصرية لوقف إطلاق النار). بدا سيناريو الحل المقترح على طاولة المفاوضات مفضوحا، من خلال القرائن التي وجدت، والأحداث التي تسارعت خلال مدة لا تزيد عن 14 ساعة. خطاب لحسني مبارك، بدا فيه كأنه يحمل وزر ما يقع بغزة لوحده! كما كان شديد اللهجة، على غير العادة، وطلب من قادة إسرائيل الوقف الفوري لإطلاق النار وإلا...في نبرة مصطنعة. ثم يأتي بعده، بفارق 4 ساعات إيهود أولمرت، ويتظاهر بأنه استجاب لدعوة مبارك، ويعلن وقف إطلاق النار من جانب واحد!! ليختمها بيان لحماس وبعض فصائل المقاومة، بعد أقل من 10 ساعات، يعلن فيه وقف إطلاق الصواريخ، وإمهال القوات الإسرائيلية، أسبوعا للانسحاب من غزة.. ثم قبل هذا وذاك، اتفاقية أمريكية إسرائيلية للحد من تهريب السلاح إلى غزة.. وصباح نفس اليوم أيضا، كان موعد الجميع مع نتائج مؤتمر شرم الشيخ، الذي طمأن إسرائيل و وعدها بتقديم كل التسهيلات التقنية لمنع هذا التهريب، وطمأن الفلسطينيين على إعادة بناء غزة ودعم الإقتصاد الفلسطيني.. لم تكن كل هذه الحركة الدؤوبة التي كانت مصر محورا لها، محض صدفة، بل وحسب نفس القرائن المتوفرة، جرى الإعداد لها بدقة متناهية، وبعيدا عن أعين الفضوليين؛ وتبين بالملموس، أن غياب مصر عن قمة الدوحة كان كمن يريد أن يقول:(إني أبدل مجهودا كبيرا لإخماد النار بغزة، وأنا في المراحل الأخيرة من تحقيق الهدف، مع الفرقاء، فما الفائدة إذن من هكذا قمة؟!). الأكيد أن خطوط الإتصال بين حماس وإسرائيل ظلت طيلة أيام العدوان مفتوحة، عبر وساطة مصر؛ التي كانت تدرك أهمية الإبقاء على سرية هذه الإتصالات، رغبة في تفادي الإحراج، الذي قد يصيب كل من حماس وإسرائيل أمام رأيهما العام. وقد راعت مصر هذا العامل النفسي للطرفين لإنجاح المهمة، كما في المرة السابقة مع اتفاق الهدنة والتهدئة بين الجانبين، الذي لم يدم طويلا، وبدعوى فشل تجديده تم العدوان. وزادت الصورة وضوحا في اليومين المواليين لبداية سريان وقف إطلاق النار؛ حيث التزمت الأطراف الثلاثة حرفيا بلعب الدور الذي تم تحديده لها.. إسرائيل بوقف إطلاق النار وبداية الإنسحاب الفوري من غزة، والفتح الجزئي لبعض المعابر... وحماس بوقف إطلاق الصواريخ... ومصر بالسماح لأكبر عدد ممكن من المعونات إلى غزة عبر رفح.. بدا الجميع ملتزما بشروط الإتفاقية/الصفقة، ومتفاديا الإخلال بقواعد اللعبة المحبوكة، على اعتبار أن مصر عملت، من خلال مبادرتها،على إيجاد آلية متفق عليها من الجانبين، لتنفيذ قرار الأمم المتحدة الذي دعا إلى وقف إطلاق النار، واتخاذ المبادرة المصرية كآلية لتحقيق ذلك.. على الرغم من رفض حماس وإسرائيل للقرار الأممي الذي شارك في استصداره وفد وزراء الخارجية العرب بنيويورك.. لقد بدا جليا، للرأي العام العربي والعالمي، أن العدوان المدمر على غزة، بدأ في جنح الظلام، وتم التحضير له سرا، وانتهى في الظلام الدامس، بين جدران دهاليز المخابرات المصرية بالقاهرة، بشكل مفاجئ وبنهاية هـتشكوكية مخدومة بمهنية جـــد دقيقة...
.
.
الجمعة, 23 يناير, 2009
أضف تعليقا
اضيف في 18 فبراير, 2009 02:30 م , من قبل SKY2018
من فلسطين
من فلسطين

لا اله الا الله محمد رسول الله
والخلافه الاسلاميه قادمه
ان شاء الله تعالى
ولنعمل معا لسماء2018
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.










من المغرب
ربنا يصلح الحال اخي
مرسي عالمقال
والمجهود الرائع
احترامي