إذا كان للعدوان الصهيوني المستمر على الشعب الفلسطيني في غزة من "إيجابيات"، فإن أهمها على الإطلاق، هي تلك الصورة المشرقة التي بدا عليها الشارع العربي وهو يتململ ابتغاء التنديد بما يجري هناك، من إبادة جماعية للجنس البشري. العديد من المتشائمين، كانوا، قبل هذه الأحداث طبعا، يعتبرون الشارع العربي قد دخل في مرحلة جديدة من التعامل مع القضية الفلسطينية، يغلب عليها طابع الفتور، والقبول بالإحتلال، وما يترتب عليه، كأمر واقع لابد من الانصياع لمتطلباته وشروطه.. إلا أن التكذيب جاء على لسان الجماهير المتدفقة على شوارع مدن وقرى العالم العربي كله.. فأثبتت المناسبة، عكس ما ذهبت إليه الأحكام الجاهزة حول "موت الشارع العربي"، وبرهن بحق أنه لازال قادرا على العطاء، رغم كل ما قيل عنه.. من الإيجابيات الأخرى التي أفرزها هذا العدوان العنيف، تلك الصورة الكاريكاتورية الخجولة للنظام الرسمي العربي، الذي أصيب على ما يبدو بالحيرة والذعر، وهو يرى مواقفه السابقة واللاحقة من القضية، غير منسجمة لا مع الشارع ولا مع منطق الإنتماء القومي مع مصالح الأمة الإستراتيجية.. ففي مقابل القتل والدمار والتجويع.. تتلى بيانات جافة من دون معنى، لا تسمن ولا تغني من شيء.. وفي مقابل فك الحصار، والفتح الدائم لمعبر رفح.. يتم التبجح بمبررات أقل ما يقال عنها، أنها بلا طعم ولا عنوان.. وفي مقابل المطالبة بإغلاق السفارات الإسرائلية وقطع العلاقات، تتم حماية الأماكن المتواجدة بها، ومنع الجميع من الإقتراب منها، مخافة المساس بجدرانها "المقدسة"...العناوين التي أصبح عليها الوضع الرسمي العربي كثيرة: التمزق الحاد... الانقسام والتشتت...انعدام الانسجام... العجز الشامل على الفعل... باختصار شديد: التموضع تحت الصفر.. القادة الفلسطينيون، هم الآخرون، عكسوا، الصورة السلبية، لهذا الواقع العربي المنقسم على ذاته وعلى الآخرين.. لارأي ولا موقف يجمع هؤلاء، رغم الكارثة، ورغم الثمن الغالي الغير مسبوق الذي يدفعه هذا الشعب الصامد في وجه مختلف أنواع ومساحيق المعاناة التي يكابدها مند أن وجد على هذه الأرض الأبية الطاهرة.. وكأن هذه القسوة خُلقت لتعيش جاتمة على صدور هؤلاء الأبرياء...قبول اتفاق من هذا الجانب، ورفضه من الجانب الآخر.. قبول دعوة من هذا الطرف، ورفضها من الطرف الآخر.. وكأن الجميع اتفق على أن لا يتفق!! انقسامات بعمق الأنفاق التي تخترق الحدود والمعابر، وانعدام الثقة المفرط.. وقبل هذا وذاك، حسابات سياسية ضيقة، تضيع على القضية ألف عام، وألف حل، وألف حياة...وكأن القضية قضايا!! وكأن الواحد يُعتبر الشر كله للآخر!! وكأننا لا نريد إنهاء رواية في أجزاء لم تكتمل، بلا بداية ولا نهاية ولا عنوان..!! الواقع العربي الرسمي والواقع الفلسطيني الرسمي، يبعث على الغثيان.. وحده الشارع الفلسطيني، بفصائله الشعبية المقاومة، ووحده الشارع العربي، يمكنهما تحقيق المستحيل ومحو آثار الهزيمة... خلاف حول عقد قمة لا تسمن ولا تغني من جوع.. خلاف وامتناع عن مجرد حضور اجتماع فصائل.. لا حديث لهم، إلا عن تخوين هذا وذاك؛ وتحميل مسؤولية ما تعيشه أراضي غزة لطرف واحد بعينه دون سواه؛ البعض من أغنيائنا العرب اختار لنفسه، مخرجا سهلا من المأزق والمسؤولية التي يتحملها اتجاه القضية، قام بشحن كميات من الأدوية والأغطية والمواد الغدائية الرخيصة.. وبعث بها عبر بوابة رفح المحكمة الإغلاق من طرف السلطات في مصر. لاشيء غير ذلك في جعبة هؤلاء. وكأنهم يريدون إقناعنا بإمكانية مبادلة المواقف بالأموال فقط ، وكفى الله العباد شر تحمل المسؤولية كاملة... أجنحة العالم العربي الرسمي (الممانع والمسالم)، جلها يشكوا التبعية والعجز على الفعل الحقيقي والجاد اتجاه القضية.. ويلقي بعضها المسؤولية على البعض الآخر.. ويعمل عبر وسائل الإعلام التي يمتلكها، على انتزاع شرعية التضامن مع القضية، من الشارع الذي احتكرها لوحده!! بعض الأنظمة بدأت تنافس الشارع على هذا الحق/الواجب، و"تحتج" على عدم مسايرة الشارع لها في الرد على العدوان!!(والله أمزح)... البعض يعلنها حربا شفوية بلا هوادة ضد إسرائيل، مباشرة عبر شاشات التلفزة.. والبعض الآخر يعلنها فرض عين على الجميع، ويستكن إلى الوسادة..!! أما الكثير منا، فقد أعلنها مدوية ولم يتردد عن القول بحتمية الانتصار مند البداية لأصحاب القضية، وأعفى بذلك نفسه والأمة من صداع التضامن والمواجهة.. وحدهم الأطفال يهرولون إلى المدارس التي دُكّت أسوارها على رؤوسهم، يتفقدونها وينعون رفاقهم الذين سقطوا شهداء وسط ساحاتها وبين جدران حجراتها.. يقبلون على الحياة بعفوية وحيوية طفولية ملؤها البراءة؛ لاشيء يحمي أجسادهم الفتية من تلك المدمرات التي تطوف في السماء لاصطياد الأرواح خارج معادلة الحساب والعقاب.. (لهم مني ألف تحية). لا المعادن الثمينة ولا الرخيصة، ولا من يكتنزونها قادرون، على ما يبدو، على قلب المعادلة ولا حتى على وقف العدوان!! بل حتى لغة الضاد بدت ذابلة وشاحبة وهي تختلط بأشلاء الضحايا وسط ركام البنايات و من على رفوف المكتبات.. لا شيء يضاهي هذا الانحطاط و الخذلان.. ولا شيء يبرر كل هذا العجز المدقع..
من المغرب
سلام الله عليكم سيدي الفاضل سلم قلمكم لقد قلتم المفيد وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا يسعنا الا التنديد والدعاء بالنصر والصمود لاخواننا في فلسطين واقول لهم لا تعويل على احد وانما التعويل على ايمانكم وصمودكم وابطالكم اللهم قوي ايمانهم وعززهم بنصرك .لكم تحياتي واحترامي
*بلا اوهام*