قـف بالهـامــــــــــــــش..!!
مبادرة الأمـــــل
.
.

المغرب الحقوقي..

   تشكل بداية التسعينات من القرن الماضي، بداية (الصحوة) الحقوقية بالمغرب... وقد شهد هذا العقد نقاشات موسعة بين المتدخلين الرسميين والفعاليات المهتمة الغير حكومية، حول المسألة الحقوقية. كما أن الجميع اقتنع بضرورة العمل على كسر الجمود الذي طبع العلاقة بين المجتمع المدني الحقوقي من جهة، والدولة في الجهة المقابلة؛ والبحث عن سبل للتواصل والتهدئة، بين الطرفين، بدل الصدام والمواجهة، بعد سنين صعبة من الصراع المرير... لم تتمكن الخيارات الرسمية المبنية على الهاجس الأمني، من إيجاد حلول ناجعة لقضايا المجتمع الحيوية، سياسية كانت أو سوسيوثقافية متداخلة ومعقدة...

    اتجه الجميع نحو طرح الإشكالات الحقوقية بشكل أفضل، وبنوع من الجرأة والوضوح، عبر المنتديات الفكرية و وسائل الإعلام، الرسمية والحزبية وكذا المستقلة...  وبدأ الجميع، على ضوء هذا الانفراج الإيجابي، يفكر في آليات مندمجة وفعالة لمعالجة الوضعية الحقوقية بالمغرب، بطريقة شفافة وسلسة...

        وهكذا وأمام التغيرات الجذرية الكبرى على المستويين الدولي والوطني، وأمام ضغط الأحداث، وتسارع

التحولات عبر العالم، تم إنشاء المجلس الإستشاري الملكي لحقوق الإنسان سنة 1990، كأول مؤسسة شبه رسمية تعنى بملف حقوق الإنسان، وبعض جوانب العدالة الإنتقالية بالمغرب... وشكل هذا الحدث بداية التعاطي الرسمي مع المسألة الحقوقية بشكل إيجابي.وقد تم من خلال هذا المجلس، الإنضمام والتوقيع على عدد من المعاهدات والإتفاقات الدولية لحقوق الإنسان. وقد شكل هذا المجلس آلية مهمة لتدعيم مسلسل الإنفراج في الشأن الحقوقي، و ساهمت هذه المبادرة، في عودة عدد من المعارضين السياسيين بالخارج من المنفى (سواء كان هذا النفى اختياريا أو قسريا)، كما تم عبره، تحديد مفاهيم جديدة للتعاطي مع إشكالية الإعتقال السياسي، وتم تحديد لوائح بأسماء معتقلي الرأي داخل السجون المغربية، وإطلاق سراح عدد كبير منهم.. ومن المسائل المعقدة التي خاض فيها المجلس، مسألة الإختفاء اللاإرادي، والاعتقالات التعسفية لعدد من النشطاء السياسيين، خلال الستينات والسبعينات من هذا القرن، أو ما يعرف بسنوات الرصاص. وتمت تسوية عدد من حالات الإختفاء القسري، رغم الصعوبات الكثيرة التي كانت تعترض مهامه، خاصة فيما يتعلق بعملية تحديد لوائح لضحايا الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، الشيء الذي دفعها للبحث عن آليات موازية لفك هذا الإشكال. فتم إنشاء (الهيأة المستقلة للتحكيم). هذه الأخيرة، أصدرت حوالي 3800 قرار نهائي للتعويض المادي لضحايا الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، عن الأضرار التي لحقتهم خلال سنوات الرصاص. وقد كلفت هذه العملية  الميزانية العامة للدولة حوالي مليار من الدرهم. ملفات الطرد التعسفي من العمل لأسباب سياسية أو نقابية، كانت هي الأخرى من مهام المجلس الأساسية. ونظرا للتركيبة الموسعة والمنفتحة لهذا المجلس على جميع الهيآت السياسية والنقابية والحقوقية الوطنية الفاعلة في الميدان، فقد تم توسيع صلاحياته  لتشمل مهمة صياغة مشروع (الميثاق الوطني لحقوق و واجبات المواطن). كما تم على ضوء هذا الإنفراج، إنشاء وتنصيب وزارة مكلفة بحقوق الإنسان سنة 2001، لدعم هذا التحول الرسمي في موقف الدولة المغربية من قضايا حقوق الإنسان...

   كما شهدت هذه السنة (أي 2001) إحداث ديوان للمظالم، وهي هيأة مستقلة عن القضاء، تمت المصادقة على نظامها الداخلي سنة 2003؛ وهي مؤسسة ذات حمولة تاريخية، تستمد أصالتها من تاريخ المغرب الإسلامي القديم، من خلال ما كان يعرف (بوالي المظالم) الذي كان يضطلع بمعالجة الشكاوى والتظلمات. وقد تمت الإشارة إلى هذه المؤسسة لأول مرة من خلال حكومة عبدالرحمان اليوسفي؛ حيث تم عرضها في برنامجه الحكومي الذي وعد بتحقيقه، من خلال الدعوة إلى إنشاء ما سماه، الوزير الأول الإشتراكي، آنذاك (مؤسسة الوسيط) كهيأة ذات حمولة حداثية غربية، وكان الهدف من إنشائها إحقاق الإنصاف ورفع المظالم والتقيد بالمبادئ الأساسية لدولة الحق والقانون. كما عُهد إليها تقديم توصيات واقتراحات لتحسين خدمات الإدارة العمومية، وتطوير الأنظمة والقوانين الخاصة بها وملاءمتها للتغيرات الحقوقية الجديدة، وللمفهوم الجديد للسلطة في المغرب..  وقد توجت هذه التحولات بإنشاء (هيأة الإنصاف والمصالحة) سنة 2003، والتي اعتبرت قمة ما توصلت إليه الأطراف الوطنية من اجتهادات حقوقية لإحقاق وتكريس العدالة الإنتقالية... وكانت تجربة رائدة على المستوى العربي والإفريقي. واشتغلت على معالجة حوالي 20000 طلب إنصاف، تم تقديمها  من قبل الضحايا أو ذويهم، على مدى سنة ونصف، تم خلالها تنظيم جلسات عمومية  خاصة للإستماع للضحايا،

 وتحركت عناصرها ميدانيا للبحث عن ضحايا سنوات الرصاص ذاخل المقابر الجماعية والمعتقلات السرية.. وقد ترأس هذه الهيأة المناضل الحقوقي، المرحوم ادريس بنزكري؛ وشهدت أنشطتها انفتاحا واسعا على مختلف الحساسيات السياسية والحقوقية والنقابية الموجودة على الساحة الوطنية.. بالإضافة إلى الجهد الميداني الذي قامت به هذه الهيأة، عملت في نهاية مهامها، على إصدار توصيات جريئة لمعالجة بعض القضايا العالقة، وخاصة ما يتعلق بالكشف عن حالات الإختفاء القسري التي لم يتم التوصل إلى نتائج نهائية بشأنها. كما تم التنصيص على إجراء مجموعة من الإصلاحات المعمقة لتفادي تكرار ما حدث من خروقات جسيمة لحقوق الإنسان مستقبلا. ومن أهم التوصيات الأخرى التي أصدرتها هذه الهيأة، ضرورة إحداث لجنة مختصة لتتبع النتائج المتوصل إليها، وكدا لحفظ الأرشيف الحقوقي الوطني، وحفظ الذاكرة الجماعية (تسجيلات صوتية وبصرية ومكتوبة...) التي جمعت وثائقها وتقاريرها هيأة الإنصاف؛ بالإضافة إلى تقوية المراقبة الدستورية للقوانين والمراسيم التي تصدر عن مؤسسات الدولة ووضع استراتيجية وطنية مندمجة ومتكاملة لضمان الإلتزام بحقوق الإنسان... ومكافحة الإفلات من العقاب، من خلال إصلاحات جوهرية في قطاعات استراتيجية وحيوية، كالقضاء والأمن والتربية على حقوق الإنسان بقطاع التعليم...

        تقرير هيأة الإنصاف والمصالحة، كان ضخما للغاية وغنيا بحقائق ميدانية في 700 صفحة، تم عرضه على المؤسسات الرسمية الحكومية والأحزاب الوطنية والنقابات والجمعيات الحقوقية ومختلف مكونات المجتمع المدني، لمناقشة مضامينه وتوصياته، وذلك لإشراك الجميع في حلقات وندوات موسعة للنقاش والتداول في شأن وضع أسس متينة لدولة الحق والقانون والمؤسسات الحداثية. وقد تم إحداث لجنة خاصة داخل المجلس الإستشاري لحقوق الإنسان لمتابعة الملفات العالقة والكشف عن الحقيقة في الحالات الأخرى (60 حالة) بالإضافة إلى تنفيذ المقررات المتعلقة بالأشكال الأخرى (غير التعويض المادي) للإنصاف، كالتأهيل الصحي والنفسي للضحايا... وجبر الضرر الجماعي بالنسبة لمناطق جغرافية محددة كانت هي الأخرى ضحية لإجراءات انتقامية قاسية، تجلت أساسا في تهميشها وعدم استفادتها من المجهودات والبرامج التنموية للدولة لأسباب سياسية...

ويبقى في الأخير التأكيد على أن هذا المسار الإيجابي،  و التراكم، الكمي والنوعي، الذي ميز تعاطي الدولة المغربية مع المسألة الحقوقية، لا يمكنه بلوغ درجة البناء الحقيقي لدولة الحق والقانون، إلا عبر تحصين هذه المكتسبات وتفعيل وتتبع خلاصات وتوصيات هيأة الإنصاف والمصالحة...لأن مستقبل المغرب، بين الأمم، يتوقف على مدى إرادته السياسية

في زيادة وتيرة التغيير الإيجابي،(رغم الظرفية الأمنية الجديدة الحساسة و الإستثنائية/الإرهاب) نحو فضاء أوسع وأرحب للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان...

 

Email :   aameroldsellam@yahoo.fr  

 

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.