قـف بالهـامــــــــــــــش..!!
مبادرة الأمـــــل
.
.

المعذبون في الصيف...

      مع بداية كل صيف يتملك الإنسان هاجس الابتعاد عن كل ما يعكر صفو حياته ويعقد مساراتها اليومية، يلجأ إلى الأماكن ذات الحرارة والجو القابل للاحتمال لقضاء أطول وقت ممكن بعيدا عن تعقيدات هذا الفصل التي لا تطاق.. يكثر الطلب على استهلاك المرطبات التي تساعد على التخفيف من ثقل الزمان، وتبعث في الجسم حيوية ونشوة تشعر صاحبها بمساواة ما بعدها مساواة... المقارعات الفكرية والسياسية المعمقة ذات البعد الفلسفي تصبح دسمة وثقيلة الوطأة، ترهق أصحابها وتنهك قواهم... حتى الملفات الكبيرة، الموجودة برفوف المؤسسات الرسمية والغير رسمية، يتم تأجيل البث فيها إلى ما وراء  هذا الزمن الإضافي بالنسبة للبعض والمستقطع بالنسبة للآخرين، تجنبا للإرهاق والجهد المضاعف وسط  هذا الجو الحار الذي يصيب الجسم والعقل معا بالتراخي وعدم التوازن الضروري لإنجاز أية مهمة في المستوى المطلوب... هذا كله بالنسبة لبعض الذين  يتوفرون على بعض الشروط اللازمة لمقاومة أيام الحر الصيفية نسبيا، لكن هل فكرنا يوما في مصير أولئك الذين يعيشون في شبه عراء ويشتغلون بأجساد غير مسلحة أصلا  لمواجهة هذا الفصل الصعب من السنة والحياة أيضا... هؤلاء الفقراء والمعوزين الذين يعانون كثيرا من تبعات هذا الفصل، وتزداد معاناتهم حين يحرمون من الوسائل الضرورية للتخفيف من عبئه الثقيل عليهم وعلى أبنائهم العزل... يتجدد موعدهم كل صيف مع ارتفاع محسوس في الحاجيات والمستلزمات الضرورية للاستمرار على قيد الحياة(طبعا لا نتحدث على الكماليات بالنسبة لهذه الفئة لأنها غير مطروحة أصلا، ولكونها لا تستطيع التمييز بين الضروري والكمالي)، لاشيء لديهم يغنيهم عن طلب المزيد، من الماء الصالح للشرب والاغتسال إلى المواد الغذائية والأدوات المنزلية... التي يمكنها مساعدتهم على التقليل من الآثار السلبية للصيف.. لكن لا أحد يمكنه أن يقنع هؤلاء بضرورة التخلي عن عادة الاستضعاف والشعور (بالحكرة) المزمنة... إنه مجتمع تم تصميمه على جسد وقياس الأغنياء.. الغلاء، البطالة، الأجور المتدنية.. جعل طبقة المجتمع السفلى تعقد العزم على مقاطعة لا إرادية لكل هذه السلع و الصنوف الكثيرة من الوسائل والمأكولات، لإثبات براءتها وحسن نيتها بل وزهدها في هذه الحياة  التي لم تكن رحيمة اتجاهها...الفواكه المدارية والاستوائية، البرية والبحرية، لحوم الحيوانات والطيور المهددة بالانقراض، المكيفات الهوائية الفرنسية والكورية... البقع الأرضية على كورنيش الشواطئ البحرية، وكل مستلزمات الحياة الغير عادية مضمونة... أبناؤهم وأفراد عائلاتهم يغرفون من هذا المعين الذي لا ينضب، في أيديهم وضعت خارطة طريق مساراتها واضحة ومضيئة للوصول إلى القمة دون عناء، حتى أحزابهم ليست كالأحزاب، وسحنات وجوههم توحي أنهم لن يرضوا بغير لعب دور الريادة في دائرة الكبار... المال والجاه والمستقبل الزاهر المضمون كلها عناصر وقائية لمواجهة لهيب حرارة الصيف بمعنويات مرتفعة... فيما الفشل والانهزام، مصير باقي أفراد المجتمع  المجردين من تلك الأسلحة الدفاعية الضرورية للمواجهة. إنهم أطفال الحجارة الجدد، لا يملكون سوى تلك الوسيلة البدائية لمقاومة الفقر واسترجاع بعض من الكرامة والحق في العيش اللذين سرقا من بين أيديهم أيام الانكسارات والهزائم التنموية الكبرى.. العامل النفسي في هذا الصراع الغير متكافيء يعتبر محددا أساسيا لرسم نهاية لهذا الفيلم المؤثر،وقد يتعاطف مع بطله الأساسي  و شخصياته العديد من المتابعين لفصوله، الذين يعيشون حياة معاناة وحرمان أشبه بأحداث سيناريو هذا الفيلم... لا أحد يمكنه أن يتنبأ بمصير واقع بلغت مرارته درجة اللاعودة... عصابات إجرامية منحرفة، خلايا إرهابية نائمة وأخرى مستيقظة هنا وهناك، مجموعات لصوصية وقطاع طرق من النوع المنظم والجديد، وأمراض جسدية واجتماعية تنتشر داخل المجتمع بوثيرة جد سريعة في ظل حكومة منهمكة في إعداد برنامج لعطلة أعضائها ومريديها ومن والاهم إلى يوم الدين...

      لا شيء يمكنه أن يبرر كل تلك الأموال والنفقات العمومية الضخمة على أولئك الأشخاص التافهين الذين مات في أعماقهم حب الوطن وضمير المسؤولية والمصلحة العامة... أموال شعب بكامله حتى ضرائب البسطاء منهم، سالت شلالات متدفقة نحو جيوبهم من دون أي مقابل أو إنجاز يستحقون عليه ذلك.. تجدهم في الإدارات المركزية والجهوية والمحلية، موظفون وبرلمانيون تافهون ومسئولون هنا وهناك، لا يجمع بينهم سوى أنانيتهم وحب الإبقاء على نفس المسافة والفوارق الاجتماعية بينهم وبين باقي أفراد الشعب.. لا هم لهم سوى جعلك أضعف من جناح بعوضة، وتجريدك من أبسط أسلحتك الطبيعية لمقاومة قسوة فصل من فصول السنة كالصيف... يجبرون الجميع على الانصياع والتسليم بحتمية هذا القدر.. يصابون بالذعر حين يكتشفون انتماءك إلى طبقة (المزاليط) وتنافسهم على شراء بعض السلع البسيطة بأجنحة إحدى الأسواق الممتازة التي أنشئت خصيصا لفصلهم عن باقي مواطني (بوزبال)... يريدونك، بكل بساطة، أن تدفن رأسك في مزبلة قمامتهم وتفكر بشيء آخر غير عقلك... ماذا بقي (لبخوش) بلادي بعد تجريده من حقه في الزمان والمكان؟؟؟... كل عام وأنتم بصيف جميل...

 

 

 

aameroldsellam@yahoo.fr

 

(2) تعليقات

أضف تعليقا

اضيف في 15 اغسطس, 2008 12:37 م , من قبل firdaousmaroc
من المغرب

بجد كلامك منطقي اخي

ربنا يصلح حال الامة

و كل رمضان و انت بالف خير

احترامي


اضيف في 15 اغسطس, 2008 07:35 م , من قبل mobadara2
من المغرب

كلنا أمل، أختي فردوس،في إصلاح أحوال هذه الأمة..ورمضان سعيد أعاده الله عليك بألف خير..شكرا على الزيارة والتعليق..تحياتي..




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.