قـف بالهـامــــــــــــــش..!!
مبادرة الأمـــــل
.
.

كلام في الرخص والامتيازات...

     الرخصة تلك الوثيقة التي تمنحك حق استعمال أو استغلال شيء ما من أجل مصلحة معينة، مادية أو معنوية... في بلادنا هناك الكثير من أنواع هذه الرخص ، الآلاف المؤلفة منها، الكتابي منها والشفاهي... لا يمكنك حصر عددها على وجه الدقة، لكن ولتسهيل عملية تأملها والتدقيق في ملامحها، لابد أن نجد لها، نظرا لوفرتها، تصنيفا معينا يمكننا من الإلمام بتوجهاتها العامة وخيوط لعبتها المعقدة... من جهتي، سأقترح عليكم تصنيفا خاصا، وأنا مقتنع أن لدى الجميع تصنيفات أخرى قد تصلح لهذا الاستعمال أيضا...المهم أن نقدم الخدمة من دون حاجة لترخيص من أية جهة كانت... فقد انتهى بي المطاف لتصنيف التراخيص إلى نوعين أساسيين، التراخيص المادية الممنوحة والتراخيص التلقائية المكتسبة، لن أتحدث كثيرا عن الثانية لأنها لا تحتاج طرفا آخر يمنحها...  بينما النوع الأول يحتاج إلى أكثر من طرف لتكتمل صورته في الواقع. إنها تراخيص تمنح بمناسبة أو بدونها من داخل مكاتب الإدارات والمؤسسات، ويشرف عليها أناس نافذون... ينعمون بها على أنفسهم وعلى أفراد عائلاتهم دون مقابل في أغلب الأحيان...يحصرون المجالات ذات البعد المالي المربح، يختارون الوقت المناسب للانقضاض عليها، بعد أن يقيدوا وينصبوا العراقيل المانعة للوصول إليها... يكتبون على مدخلها:"ممنوع الولوج إلى الداخل..." غير مسموح لأي أحد غيرهم الاقتراب منها... أما النوع الثاني من التراخيص، فالأمر أسهل، ولا يتطلب كل تلك المساطر والإجراءات الخرافية الخاصة بها ...

لكل الحق في الدخول والخروج إلى/من تلك الميادين من دون تعقيدات، فقط الرغبة والقدرة يمكنهما تأهيل الشخص للتمتع بمفعولها. إنها الامتيازات والتراخيص التي يجني من ورائها أفراد ليسوا مواطنين عاديين، وليست الميادين والقطاعات التي تمنح لهم بعادية.. يتم منحهم رخص النقل العمومي، وتراخيص الصيد في أعالي البحار، وامتيازات مقالع الرمال...وأخرى لا تعد ولا تحصى، بما فيها امتيازات التصرف في مصير البلاد والعباد.. كل المجالات المربحة أصبحت رهن إشارة هؤلاء من دون مقابل حقيقي ومنطقي للأرباح الطائلة التي يجنونها من تلك الامتيازات الممنوحة... في المقابل سمحوا لبقية الناس، من الطينة الأخرى، بإمكانية استغلال باقي الامتيازات الغير مربحة... فقد ظهرت مجالات محتكرة من طرف هؤلاء وبإمكان باقي أفراد الشعب التمتع بها وبعائداتها، من الشحاذة (السعاية بالدارجة) إلى امتيازات التسكع في الشوارع والبطالة... إلى الحمق والهذيان و"التخماس"... كلها حقوق لا تحتاج لمجهودات تذكر للظفر باستغلال عائداتها. القيٌمون على الصنف الأول من الامتيازات هم الذين يبحثون عن الشروط والمعايير التعجيزية للاستفادة منها، ليس حرصا منهم على خدمة المصلحة العامة أو ضمان جودة الخدمات، بل لتكسير عظام وحماس الصنف الثاني من المواطنين ووضع سور إسمنتي من الموانع التي تحول بينهم وبين الوصول إلى استغلال خدمات هذا المجال أو ذاك. قد يتمكن أحد مواطني الدرجة الثانية من الإفلات من عقال تلك العراقيل ليظفر لنفسه بهذه الخدمة أو تلك، لكن ذلك يتطلب جهدا جهيدا وصبر يعقوب ليقطع كل تلك المسافة اللامنتهية من العراقيل حتى وإن توفر على الشروط الموضوعية والذاتية للقيام بتلك المهمة. عندما تسأل أحدهم عن السر في اختيار كل هذه الشروط التعجيزية، يجيبك أن تلك المراحل الطويلة والعسيرة التي يفرضونها على طالبي استغلال خدمات بعض التراخيص العمومية تعتبر بمثابة اختبار لقدرات الأشخاص على التحمل والنفس الطويل لإبداء حسن النية... الحقيقة أن مرحلة واحدة من إعداد الوثائق والتعامل الأولي مع طلب الترخيص تنسي صاحبه في باقي هموم مشاكله اليومية المعقدة الأخرى، وتدفع به للتخلي عن حلمه ومشروعه بصفة إرادية... أما بالنسبة للذين وضعوا وخططوا لشروط ولوج هذا الترخيص أو ذاك، فإن الأمر يثلج صدورهم أمام النجاحات الباهرة التي يحققونها عبر الإقصاء المبكر، وبالضربة القاضية، على منافسيهم.. إنها الدائرة الضيقة المغلقة لمحتكري الامتيازات الكبار الذين يغلفون مجالات امتيازاتهم بقوانين ودفاتر تحملات مضبوطة على قياساتهم... الواضح أن بعض المجالات أصبحت مند زمن بعيد من اختصاص أسماء عائلية بعينها ومغلقة في وجه العموم... المحاولات الأخيرة لأعلى سلطة في البلاد لمحاربة هؤلاء المضاربين وتجاوز هذه الوضعية السلبية، كشفت بالملموس أن جل الامتيازات والتراخيص بالاستغلال التي تم منحها، صغيرها وكبيرها ، لم تراع  فيها أدنى شروط الديمقراطية وتكافؤ الفرص، بل حتى شروط الاستحقاق غابت عنها... فكيف يمكن تفسير منح رخصة صغيرة لاستغلال خط نقل عمومي (طاكسي) إلى أفراد ينتمون اجتماعيا إلى فئة الخمسة نجوم في حين أنها مخصصة أصلا للفقراء والمعوزين وذووا الاحتياجات الخاصة؟؟؟ أما منح استغلال امتيازات كبرى، فالأمر يحتاج إلى قاريء للفنجان لمعرفة شبكتها العنكبوتية وأفرادها الذين ينتمون  لأصحاب الدار الكبيرة...تراخيص شبه مجانية كان يمكنها أن تخفف من وطأة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد والعباد وتجعل أوضاعنا ووضعية ميزانيتنا في صحة جيدة، عبر إعادة النظر في شروط ومعايير الاستفادة منها والتدبير المحكم لاستغلالها وضمان استفادة المالية العامة للدولة من مدا خيلها الخيالية... الأمر يتطلب وضوحا وشفافية أكبر في التعاطي مع منح الاستغلال من النوع المربح، وانفتاح أكبر على جميع المستثمرين المحليين والأجانب لتكسير دائرة الاحتكار التي تطوق قلاعها المحصنة مجموعات دون غيرها لتبقى محميات لها ولمريديها... المرحلة تتطلب وقفة لتقييم هذه التجربة الفاشلة،عبر هذه الامتيازات المجانية في قطاعات واسعة لأناس بعينهم من دون فعالية ولا مردودية مالية على الدولة والمجتمع...  تقييم النتائج السلبية لهذه العملية، سيفتح المجال لإعادة النظر في العملية برمتها واستخلاص العبر والبدائل الممكنة للتعاطي مع مثل هذه الملفات المعتمة... تكريس شعار دولة الحق والقانون على أرض الواقع هو الكفيل بمعالجة سلبيات هذه الظاهرة ومحاربة عدم التزام البعض من هؤلاء بمعايير الاستفادة والاستغلال، ومحاربة التسيب والتهرب الضريبي لهؤلاء...

 

aameroldsellam@yahoo.fr المصطفى عامر 

(2) تعليقات

أضف تعليقا

اضيف في 12 يوليو, 2008 11:50 ص , من قبل firdaousmaroc
من المغرب

شكرا على هذه التوضيحات و الاستفسارات

مقال هادف

واصل ..


اضيف في 17 يوليو, 2008 01:59 م , من قبل beladi2
من المغرب

لعطاك العاطي لتحرث لا تواطي.. تحياتي ليك المصطفى..




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.