وأنا أخوض في تهيئ ملف هذا العدد بجريدة الشعاع الجهوية(بسيدي قاسم) حول ًظاهرة تشغيل الأطفالً، لم أتمكن من التخلص من الكثير من التجارب الحية التي التصقت بذهني ودفعتني لطرح الأسئلة المحرجة التي طالما لم أجد لها أجوبة مقنعة لا من هنا ولا من هناك... مجهودات جبارة بدلت على المستوى الرسمي والمجتمع المدني من أجل تكريس ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل، عبر مشاريع اجتماعية وتربوية وعبر ترسانة قانونية واسعة ودقيقة، وعبر وسائل مختلفة من أجل التوعية والإقناع بخطورة المس بهذه الحقوق وخاصة جوانبها الاجتماعية والتربوية...كل ذلك لم يمكن من القضاء النهائي عل أشكال المس بحقوق المرأة والطفل في أبشع صوره وأخطرها على سلامة وصحة المجتمع... قوة عاملة نشيطة ومنتجة تجد وتجتهد كل صباح من أجل ضمان القوت اليومي لأسر لم تستطع الاستغناء عن خدمات بناتها وأبنائها الذين لم يبلغوا بعد السن الأدنى للقيام بأشغال خلقت أصلا لسن غير سنهم، ولأجساد أكبر من أجسادهم الفتية الغير قادرة على تحمل وزر وعناء تلك الساعات الطويلة من السخرة والعناء... أنامل طرية يفترض أن تكون ماسكة بأقلام ملونة ترسم عبرها مستقبل بلد بأكمله، أجساد رخوة لم تكتمل بناءات أسسها، وجدت في المكان الخطأ والزمن الخطأ، لم يسعفها لا النظام الاجتماعي القائم ولا الشعارات الطويلة العريضة في ضمان عدم إلحاق الأذى بها. أصوات صغيرة وعقول لم تتشكل بعد ملامحها النهائية، كان بالإمكان إدراج أسمائها ضمن قائمة المصطفين في ساحات المدارس ومؤسسات التربية والتكوين المنتشرة هنا وهناك... لم يكن القدر وحده من زج بهؤلاء الأبرياء في عمق ذلك القمقم العميق من التعاسة وضياع مفاتيح المستقبل بل وحتى أقفاله أيضا. إنها إشكالية إنسانية ووطنية ينبغي مواجهتها بإصرار كبير بدل التفرج على بعض أعراضها ونتائجها المأساوية من دون إرادة قوية على تحرير هؤلاء من مخالب الاستغلال الجشع والغير قانوني لهذه القطع اللحمية الفتية... إمكاناتنا الذاتية كمجتمع مدني وصحافة قادرة على تحسيس وإقناع آباء وأولياء هؤلاء الصغار بالأضرار الكبيرة والمخاطر التي تحدق بهؤلاء العمال الصغار، لكن الهامش ضيق بالنسبة لنا للمناورة.. حيث أننا لا نستطيع إيجاد إجابة مقنعة عن الحل الممكن الذي سيغني هاته الأسر الفقيرة عن عائدات أبنائها المادية التي تجنيه من هذه العملية القدرة. بل إن البعض، ممن التقينا بهم من هؤلاء الأسر، عاتبنا على عدم قدرتنا على تطبيق القانون الذي يمنع ذلك، معتقدون أننا نمثل الدولة... أصبحت الصورة واضحة عن طريق الإحصاءات والنصوص القانونية المتوفرة ونوعية الظاهرة وأبعادها... وأضحى تجنيد الجميع ضرورة لاستثمار كل هذه المعطيات الكمية والنوعية لتعبئة الجميع من أجل استقبال هؤلاء وتوجيههم نحو الوجهة الحقيقية والطبيعية ألا وهي المدرسة بدل الحقول والمعامل والشوارع... لم يعد ممكنا التزام الصمت إزاء هذه الظاهرة الخطيرة علينا جميعا كمجتمع ووطن يريد رسم مستقبله ومصيره بالألوان الزاهية وليس بالأسود، وذلك عبر إرادة حقيقية وليس عبر شعارات لا معنى ولا مذاق لها أمام حجم الإشكالية التي أصبحت تُرى بالعين المجردة...كل مشاريع الإصلاح المقترحة في مجال التربية والتكوين، لن يكتب لها النجاح ما لم تعمل على الإنكباب بجدية فعلية على موضوع ًمنع تشغيل الأطفالً للقضاء عليه، عبر التنسيق مع المتدخلين المباشرين والغير مباشرين في باقي القطاعات الرسمية، وذلك من أجل دعم اجتماعي حقيقي للأسر المعوزة وتفعيل بنود القانون الزجري في مواجهة المستفيدين من خدمات وعرق هؤلاء الأبرياء... إننا نشعر بالقلق ونحن نستيقظ على منبهات صوت الشاحنات والجرارات التي تكدٌس داخلها أجسادا لأطفال صغار من أجل استنزاف جهدهم وطاقتهم الصغيرة في ضيعات وحقول ومعامل للمتاجرين في دم ولحم البراءة الطفولية دون أية ضوابط وبلا حدود...فتحية لكل هؤلاء الأطفال الذين لايزالون يرزحون تحت العبودية الجديدة للقرن الواحد والعشرين...بمناسبة يومهم العالمي: 12 يونيو من كل سنة للقضاء على تشغيل الأطفال... المصطفى عامر
.
.
الاثنين, 23 يونيو, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








