لم يكن ذلك الصباح عاديا بالنسبة لي في ذلك اليوم،فقد اعتقدت أني متجها نحو عملي كالعادة من دون لقاءات أو توقفات طارئة، لأن الساعات الباكرة من كل يوم تكون فاترة يضطر الإنسان معها تفادي كل ما من شأنه أن يعكر صفو هذه البداية... كنت أمرٌ يوميا بالمسلك الذي يقطع الدوار طولا من جنوبه إلى شماله بحكم موقع منزلي الذي يقع في أقصى نقطة بالدوار، فكان عليٌ أن أمر إجباريا عبر هذا المسار الذي يخرجني نحو الطريق الرئيسية إلى العمل... لم أكد أقطع هذا الصباح سوى بضعة أمتار عن المنزل حتى لاحظت أن رجلا بجلبابه الأبيض الناصع وهو يعترض سبيلي، ويشير إليٌ بالتوقف.. كان إلحاحه إلي يوحي لي بأن شيئا ما ليس على أحسن ما يرام. تمنيت في نفسي لو لم ألتق أحدا في هذا الوقت لأني أصلا قد تأخرت ببعض الدقائق عن عملي، رغم أني اعتدت على كثرة التوقف في طريقي إلى خارج الدوار لأن مهمتي كممثل له في الجماعة القروية تفرض علي ذلك... فهذا يريد استفسارك عن أمور إدارية أو حتى شخصية، والآخر يطلب منك مرافقته لهذه المؤسسة أو تلك أو قضاء مصلحة من المصالح داخل الدوار، أو في كثير من الأحيان لمجرد الاطمئنان عليك والدعاء لك... توقفت وفتحت باب سيارتي وسلمت عليه ثم سألته عن غرضه... تجمدت الكلمات في فمه ولم يستطع مداراة دموعه الباردة.. تكلس الدم في عروقه ولم يستطع نطق كلمة واحدة. كانت أسئلتي معلقة إلى أجل غير مسمى... كانت علامة الإرهاق والتعب بادية على محياه... انتبه فجأة إلى ذهولي وتأثري العميق أمام هذا الموقف الدرامي الذي وجدت نفسي وسط لهيبه...فطمأنني بكلمات متقطعة لم أفهم من تجميعها شيئا..."فقط لم أتناول شيئا مند غداء البارحة.. إن أمعائي تؤلمني من شدة الجوع، لم أنم طيلة الليل...وزوجتي كذلك...". عرفت بعد ذلك أن الرجل وصل درجة من الفاقة والعجز لم يعد معها يطيق الصمت والتكتم الذي يلف به الإنسان صعوباته ومصائبه... أعرف الرجل معرفة شخصية، ولم أكن أتصور أنه سيصل إلى هذه الدرجة من الحاجة. كان رجلا محبا للعمل، استطاع تدبير حياته بنجاح مند أن عرفته وأنا في سن صغيرة. إنسان يمتلك عزة نفس، لا يرضى لنفسه المذلة، يعيش بكرامة زائدة... كانت كلماته مسامير حادة تغرس في أعماقي...كنت مشدوها لهذا المشهد الدرامي البالغ التأثير... شعرت بالاختناق والرغبة في دفن شعارات العالم كله في صدر هذا الرجل... بعد توجيهه إلى أقرب دكان بالدوار ومطالبة صاحبه بمده بما يحتاجه... انصرفت متأخرا إلى عملي، وأنا في صراع مع ذاتي حول جدوى كل هذه الشعارات الزائفة التي تصم آذاننا وتملأ فضاءات إعلامنا المرئي والمكتوب، شعارات التضامن والمواطنة والديمقراطية... شعرت لأول مرة أن الفقر يزحف نحو الجميع وأن قدرة البعض على العيش أصبحت مهددة هذه المرة... تملكني إحساس بالغبن والخجل في آن واحد. كيف لنا أن ننام وآخرون لم يستطيعوا تسليم أجسادهم وعقولهم لهذه النعمة مــن شدة الجوع...؟؟؟ أي قسوة هاته التي أصابت قلوبنا وجوارحنا لهذا الحد ؟؟ إن هؤلاء ضحايا سياسة غير منصفة لمسؤولين لا همٌ لهم سوى الكراسي وخدمة مصالح طبقات اجتماعية معينة والرمي بالباقي إلى خردة الهامش بالثلث الخالي للفقر والمعاناة... من منا سيضمن أمنه وأمانه أمام أبناء شخص يعيش وضعية كوضعية هذا الشخص؟؟؟ بل أين هو تكافؤ الفرص مع باقي المواطنين الآخرين؟؟ إنها أحزمة الفقر وانسداد الآفاق...بؤر سوداء يحمل أصحابها عداء مقيتا للمجتمع والحياة الإنسانية ككل. يحولون معاناتهم إلى مبرر شرعي للقيام بحماقات ضد الآخرين...يحصل التراكم الكمي والنوعي ليصبح إرهابا يفزع المجتمع وتحرق ناره الجميع، ونصبح رهينة لدى قراصنة بريين من نوع خاص... محاربة الفقر والهشاشة لايمكن النجاح في امتحانها العسير من دون تغليب المصلحة العامة على الخاصة التي يعمل وفقها أغلبية مسؤولينا. المغرب بحاجة لمجتمع متماسك وقوي بتضامنه الرسمي والشعبي وتآزر أفراده بعضهم بعضا حتى لايضطر أبناء بعضنا العيش بيننا "كبخوش" المزابل، في حين ينعم أبناء آخرون بمستوى عيش يفوق مستوى عيش النجوم في المسلسلات الهوليودية...لم يعد ممكنا التخلي عن الاستثمار في الجانب الاجتماعي لتخفيف وطأة الاحتقان وتفادي مسلسل التطبيع مع الفقر والعوز، إننا لن نمل من ترديد: "أن هؤلاء يستحقون منا جميعا،مسؤولين ومواطنين عاديين، التفاتة بسيطة لطمأنتهم والاعتراف لهم بالظلم والتقصير في حقهم...".
.
.
الجمعة, 09 مايو, 2008
أضف تعليقا
اضيف في 20 نوفمبر, 2008 01:10 م , من قبل hrida
من المغرب
من المغرب

شكرا اخ مصطفى على هدا الموضوع الدي قد نفظت الغبار عليه فالكثيرون هم كهؤلاء و لا يستطعون التفوه بما يوجيعهم و السبب معروف حتى عند الامي
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









مساء الخير شقيق،
حالنا العربي مؤسف، حكامنا ينامون على الحرير و يتعشون الذهب، و الشعب معدم و إن حنت قلوبهم البغيضة يأتون بمكرمات سخيفة لا تسمن و لاتغني من جوع، لنا الله شقيق
كن بخير
ملاذ