قـف بالهـامــــــــــــــش..!!
مبادرة الأمـــــل
.
.

الغـــــــــــــــلاء والمواطنة...

 

   وصلت درجة حرارة الغلاء هذه الأيام مستويات قياسية لم يشهد المستهلك البسيط مثيلا لها مند بداية الثمانينات، تاريخ بداية تطبيق مقررات التقويم الهيكلي الذي فرضه صندوق النقد الدولي على المغرب، والذي همٌ مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني ودفع الحكومة آنذاك إلى اتخاذ إجراءات قاسية مست بالخصوص القدرة الشرائية للمواطنين وإمكانية الاستفادة من بعض الخدمات المجانية.. كانعكاسات مباشرة لهذه السياسة الحكومية على المدى القصير، في حين أن انعكاساتها السلبية على المدى المتوسط هي التي نشهد بعض فصولها في الآونة الأخيرة فيما أصبح يعرف بسياسة تحرير الأسعار(السكر، الزيت، الدقيق، والمواد الفلاحية...) التي اكتوى بنارها المواطن البسيط، ولم يعد يقوى على مجارات سرعتها القاتلة إلا أولئك الراسخون من القلة المغاربة المصنفون في دائرة الخمسة نجوم... بدأت صعقات هذا اللهيب تصل إلى عمق جيوب الناس الغير مصنفين...بل حتى أولئك الذين كانوا يعتقدون أنهم بمنأى عن هذه الحمى الجيبـية الحادة، بدؤوا يفقدون توازناتهم المالية ويشككون في قدراتهم المادية على الصمود أكثر من اللازم... لذلك تجدهم، هم الآخرون، يتزاحمون مع باقي الناس البسطاء للظفر بسلعة أرخص ثمنا من دون الالتفات إلى جودتها. أصبح من اللازم على الجميع اتخاذ إجراءات تقشفية صارمة لتفادي العجز في ميزانية الأسرة.. المواطن المغربي العادي الذي ينتمي لأسفل السلم الاجتماعي بات مهددا أكثر من أي وقت مضى بالإفلاس أمام هذا المسلسل اللامنتهي من الزيادات في الأسعار، لم يعد أحد منهم  يطيق كل تلك التبريرات التي تفسر هذا المنحى التصاعدي، من العولمة إلى غلاء المواد الأولية والبترول وانتهاء بفشلنا في تحقيق أمننا الغذائي الذاتي... هؤلاء الذين يعيشون العوز والضيق المادي مند أمد طويل ، حتى في أوقات الرخاء، لا يمكنهم التسليم بهذه الأسباب التي لا تعنيهم في شيء، على اعتبار أنهم ألفوا حياة الهامش المنسي ولم يعد بإمكانهم التمييز بين فترات الرفاه وفترات الأزمة.. اعتاد هؤلاء العيش في درجات حرارة اقتصادية سلبية، تحت الصفر،تماما كما اعتاد الحلزون البري على الإمساك عن شهوة البطن لأزيد من ستة أشهر لمواجهة أوقات شحٌ الغذاء...

     الغريب في الأمر أن مسؤولونا يشهرون في وجوه هؤلاء المساكين،بطاقة ما يسمى بصندوق المقاصة الذي وصلت ميزانية اعتماداته هذه السنة 20 مليار درهم لدعم توازنات الأسعار، وكأن فقراء هذا البلد يلتهمون هذا المبلغ الكبير درهما درهما.. والحقيقة أن التجربة أثبتت أن 90 في المائة من هذا المبلغ يلتهمه أصحاب المقاولات وأولئك المواطنون من فئة خمس نجوم... إنه التعاطي غير المتوازن بين الأغنياء و الفقراء، والذي يمكن أن يزيد في توسيع الهوة السحيقة بين طبقات المجتمع ويفقدها تلاحمها بل حتى تعايشها السلمي.. كل التبريرات التي تسوقها الجهات الرسمية، على الرغم من صدقيتها النسبية، لا يمكنها أن تقنع ذلك المواطن البسيط الذي يسمع ويرى بأم عينه الأجور العالية جدا والتعويضات المبالغ فيها لموظفين فوق العادة، تزيد عند بعضهم عن 40 مليون سنتيم في الشهر، بالإضافة إلى تعويضات خيالية لا تناسب المجهود الحقيقي لصاحبها... البنية الاجتماعية للمغرب تعرف تناقضا صارخا، كما هو الشأن بالنسبة لنظام الأجور والتعويضات الغير منصف، والذي بدأ يفرز وضعية تتزايد من خلالها الفروقات بين طبقات المجتمع، إذ يمكن أن تلمس هذه الصورة الكاريكاتورية الغير سليمة من خلال وجود أغنياء يمكنهم تسديد ديون المغرب كاملة من دون عناء يذكر، وتجد أيضا في المقابل من لا يستطيع أداء ثمن كيس دقيق من النوع الرديء...

      في الدول الديمقراطية عندما تصل الفوارق الاجتماعية إلى درجة معينة يتم دقٌ ناقوس الخطر، ويتجند الجميع لتقليصها وإعادة توزيع الثروة عبر تدابير تقنية مدروسة بشكل يضمن تعايش الجميع، لأنهم مقتنعون بأن الوطن للجميع وليس للأغنياء فقط...في المغرب مجرد الرقم الرسمي ل 5 مليون مواطن مصنفون تحت خط الفقر، أي يعيشون بأقل من 10 دراهم فقط لليوم، ينبغي أن يثير الفزع والقلق على هذه الفئة التي تعيش وضعا اجتماعيا هشاٌ وحرجا، خصوصا إذا علمنا أن 10 مليون آخرون لايتعدى دخلهم الفردي اليومي 20 درهما...

     غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار لايمكن التعامل معهما بمنطق الأمر الواقع، بل باتخاذ تدابير وقائية وعلاجية جدية وملموسة لتخفيف وطأتهما، من خلال توزيع آثار تحمل الأزمة بشكل منصف وعادل لاقتسام أعبائها وآلامها كل حسب إمكانياته المالية وموقعه الاجتماعي لتجنيب الفقراء تحمل المزيد من التضحية.. فلا يعقل لا دستوريا ولا إنسانيا الزج بفئات عريضة من المجتمع في متاهات لامنتهية من المعاناة بدعوى العولمة وتحرير الأسعار... إنها روح المواطنة الحقة التي يجب إعمالها لإنقاذ هؤلاء ودفعهم للإحساس بدفء الانتماء لهذا الوطن العزيز...

 

(1) تعليقات

أضف تعليقا

اضيف في 16 ابريل, 2008 05:17 م , من قبل malth

الشقيق المصطفى،

لا ندري إلى أين سيحط بنا هذا الغلاء؟

ينهشنا جميعا، و نقاوم بمسيرات و اعتصامات بين البحرين، مصر، المغرب

و لكن لا حياة لمن تنادي؟

لنا أنت نتجرع الواقع دون ستر نجاة.

تحية من القلب

ملاذ




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.