قـف بالهـامــــــــــــــش..!!
مبادرة الأمـــــل
.
.

ولـــد الـــدوار..

 

  الدوار، هذا الكائن السكني النائي الذي يتوارى وراء سراب البعد عن المركز حيث يسكن إدريس؛ هذا الشخص

البسيط الذي عشق البادية و لم يجد طعما للحياة إلا بين أجنحتها الناعمة. يكدٌ و يجتهد طيلة أيام الأسبوع

ليوفر مبلغا ماليا كافيا لمواجهة أعباء و مصاريف السوق صبيحة يوم السبت... يستيقظ باكرا، يحمل معه

وسائل عمله البدائية، وعلبة مرق زجاجية ملفوفة بعناية في ثوب قميص مهتريء، بجانبه كسرة خبز وصحن

بلاستيكي لا لون له.. يتأبط كيسه ويمسك بمقود دراجته الهوائية الصدئة.. يخرج من البيت/الخيمة و لا ينسى

أن يوصي زوجته بتوخي الحذر مع الأبناء الثلاثة و إيصال ابنته الكبرى زينب ذات السبع سنوات إلى المدرسة

في الوقت المناسب كي لاتضيع الحصص الدراسية الصباحية. . كان لايملٌ من مخاطبة زوجته بنبرة حادة وخشنة:

"قولي للمعلمة أن لا تضربها لأنها قليلة الصحة...." كان يختصر وصاياه في ابنته و رعاية ماشيته التي كانت

 تحرص عليها زوجته في محاولة لمقاومة غلاء المصاريف اليومية.. كانت لحظة مغادرة منزله من أصعب المواقف

التي يصاب خلالها بدوخة شديدة و ألم قاتم، ليس تكاسلا منه أو هروبا من تحمل المسؤولية بل لأنه يعلم أن قساوة

 يومه بضيعة الحاج لا شيء يوازيها. كان يفكر في مصير أبنائه و يقلق على مستقبلهم رغم صغر سنهم...

كان يشعر بنشوة كبيرة و هو يتحدث عن ابنته زينب و عن مكانتها لدى المعلمة و دكائها الحاد...  ينعل بصوت

خافت الزمن الذي وهبه هذا النصيب من الحياة المنحطة، يستدير قليلا و يبصق على العالم الذي سخره ليبقى تعيسا..

رغم برودة الطقس و صعوبة الحركة وسط هذه الأرض المحروثة بعمق يأمره الحاج بالمزيد من الجهد و السرعة في

الاشتغال و يهدده بتبديله في حالة إبداء أي نوع من التعب.. الشيء الذي كان يرغمه على إخفاء ملامح الإرهاق

و علاماته متحديا بذلك قواه و إمكاناته البدنية المحدودة لإرضاء مشغله . كان يعلم أنه سوف يعاني لأيام كثيرة قبل إيجاد

منصب شغل آخر إذا طرده مشغله هذا . مرة وقد بلغ به الأمر حد الاشمئزاز  و الحنق الشديد، فكر في نصب مجرفته

و الوقوف على حافتها الحادة و مخاطبة الحاج  و أمثاله:"لقد سئم منكم الجميع و أنا أكرهكم  و أكره من وهبكم هذه

الأموال لتعذبوا بها بنو البشر، لن يسامحكم الله على فعلتكم، كل قطرة عرق من جبيننا نحن أبناء الدوار الفقراء ستكون

لكم بحرا عميقا ستغرقون فيه يوم القيامة...» لكنه سرعان ما شعر بأن الحاج قد اقترب منه ليحثه مرة أخرى على ضرورة

الانحناء و مواصلة الحفر دون توقف. اشتدت عليه وطأة شمس منتصف النهار و أحس بجسمه النحيل و هو يجف و يذوب

وسط هذا الحرث العميق، انتبه فجأة إلى ساعته اليدوية فوجد أنه تجاوز الثانية عشر زوالا بحوالي عشر دقائق، الوقت

المحدد  ليتناول وجبة الغداء. توقف عن العمل و وضع يده وراء ظهره المقوس في محاولة لتقويم وقفته، والتفت إلى الوراء ليبحث له عن ظل يتناول فيه وجبته تلك و يستريح بعض الوقت...

   على نفس الوثيرة يستأنف عمله في النصف الثاني من اليوم و بدون حماس يستغرق في التفكير، و يسرد ذكرياته رغم

مرارتها مع بعض أبناء دواره. كان يكره جارته شريفة و زوجها الطاهر اللذان كانا يحسدانه على استقامته و تنظيمه المحكم

 لمنزله المتواضع و محبته لزوجته و أبنائه الثلاثة... كان لايتردد في نعتهم بأقبح النعوت و الأوصاف و كان له معهم عدة دعاوى و شكايات أمام المحكمة، لكنه صمد في وجه مكائدهم، و أتعبهم بصبره و ثقته في نفسه ... فجأة لمح الحاج

  و هو يتجه صوبه، فرفع من سرعة تنفيذ شغله و أحس برغبة في معانقة ابنته و تقبيلها."لقد تعبتَ هذا اليوم يا إدريس، بإمكانك أن تنصرف الآن، فأنا أسمح لك في الوقت المتبقي..." . لم يصدق نفسه هذه المرة و اعتقد أنه مجرد

حلم لأنه لم يعتد مثل هذه الهدية من قبل المْعـلًًًٌََُم الحاج و هو الذي اشتغل عنده لمدة ليست بالقصيرة؛ رغم ذلك، فقد تجاوز ذهوله وتوجه نحوه ليشكره على هذه الالتفاتة الجميلة... فإذا به يسمعه مخاطبا إياه : " إياك أن تنسى (الخروبة) شعارنا في هذه الانتخابات...اللهم مكْلة السْبوعا  ولا  تمرميدْ الكلابْ ... ضع علامتك عليها ". كان اليوم يوم انتخابات، فانتبه إدريس

لهذا الكرم الفريد و عاهد نفسه في صمت أن يحرق صورة صاحبها... انتقاما لزينب و الآخرين  ضحايا الحاج من أبناء الدوار...

 

                                                                                              Email          aameroldsellam@yahoo.fr                     

 

(2) تعليقات

أضف تعليقا

اضيف في 25 مارس, 2008 01:01 ص , من قبل دليل المواقع والمدونات العربية
من مصر

تمت الموافقة علي اضافة موقعكم لدليل المواقع والمدونات العربية برجاء الانتباه الي ضرورة وضع رابط للدليل بموقعكم حتي يظل رابطكم بالدليل وتقبلو تحيات اخوانكم واخواتكم في ادارة الدليل العربي للمواقع والمدونات
http://dalil.4uloads.com


اضيف في 26 مارس, 2008 05:42 م , من قبل firdaousmaroc
من المغرب

عجبتني المقالات
لها طابع اجتماع هادف

.
.
مرسي لسردهذه القصة التي تمثل جزء من
حياتنا اليومية
نسال الله اصلاح حالنا
دمت متالقا اخي
والى الامام
اتمنى ان تقبل صداقتي

فردوس




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.