قـف بالهـامــــــــــــــش..!!
مبادرة الأمـــــل
.
.

المدرسة العمومية ورهان الدولة على الخصخصة...

   المدرسة العمومية المغربية، كباقي المؤسسات ذات البعد الخدماتي، أصبحت في أدنى مستويات قدراتها على مواكبة تسارع التطورات التي يشهدها المجال التربوي وطنيا و عالميا. البحث في الأسباب و المسببات قد يقذف بك في بحر من المبررات بعضها حقيقي وآخر مفتعل و مجانب للموضوعية. البعض يحمل المسؤولية لهذه المؤسسة بذاتها، في علاقتها بسلٌمها الإداري والتربوي، والبعض الآخر يلتمس تبرئتها من هذه التهمة الثقيلة التي لا تحتملها لوحدها. لكن هناك من يوسع عملية تشريح هذه الأسباب لتمس مستويات أعلى لتحميلها مسؤولية هذا التدهور، على اعتبار أنها الجهات المتحكمة في مفاتيح السياسة التعليمية ككل، وبالتالي فإن الأسباب لا يمكن تحجيمها فيما هو ذاتي فقط مرتبط بالمؤسسة نفسها، بل ينبغي دمج عوامل متداخلة ومعقدة ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بعالم التربية، منها ما هو قريب جدا من هذه المؤسسة ويتعايش مع مكوناتها من دون أن ينتبه له أحد... إن رقم 400 ألف تلميذا انقطعوا عن الدراسة خلال هذا الموسم الدراسي إضافة إلى رقم 600 ألف طفل مغربي في سن التمدرس يشتغلون كعمال صغار غير قانونيين عوض الذهاب إلى المدرسة، يعد  أمرا لا يبعث على الاطمئنان و الثقة في نظامنا التربوي  العمومي الآيل للسقوط في أية لحظة. المدرسة العمومية كانت إلى عهد قريب مجالا تربويا مشتركا بين جميع الفئات الاجتماعية، فقيرها وغنيها، الشيء الذي كان يدفع الجميع للتفكير في وضعيتها و الدعوة لإصلاحها وإمدادها بالإمكانات اللازمة لتقويتها ورفع مرد وديتها بإصرار وحزم زائدين. أما اليوم فإن الأمر أضحى مختلفا، إذ أصبحنا أمام ظاهرة مثيرة، تتجلى في كون المدرسة العمومية هجرها تلاميذ الفئات المتوسطة والعليا وأضحت تستقبل أغلبية تنتمي للفئات المرتبة في أسفل السلم الاجتماعي. إن هذه الوضعية أثرت كثيرا على مصير هذه المؤسسة، وبالمقابل تم العمل على إعطاء صورة إيجابية مدعومة عن المدارس والمعاهد الخاصة  ودفع الجميع للإقبال على التعليم الخصوصي، رغبة من الدولة للتحلل من مسؤولياتها المادية والمعنوية نحو هذا القطاع بعد أن عجزت عن خوصصته و إلحاقه بطابور المؤسسات التي تم تفويته للشركات والأفراد بدعوى اعتبار هذا القطاع غير منتج حسب التصنيف الاقتصادي...الرسمي.

كان المسئولون الكبار وبإيعاز من صندوق النقد الدولي يعملون بكل ما أوتوا من قوة لضرب مجانية التعليم، لكن مقاومة ذلك كانت شديدة من قبل الأحزاب السياسية الوطنية والمنظمات النقابية الجادة، وتم إبطال مفعول هذا القرار بعدما تم التأكد من صلابة موقف المعارضين له... لم يستسغ المغرب الرسمي مرارة هذا الاعتراض؛ فعمل على إيجاد بديل عن هذا المشروع، لايخلو من خطورة هو الآخر،  يرمي إلى تشجيع الاستثمار في التعليم الخاص بشتى الوسائل المادية و المعنوية(منح تحفيزات على مستوى القروض و الضرائب والتأطير التربوي...)؛ فعمل هؤلاء المستثمرون الجدد على استغلال كل هذه التسهيلات بالإضافة إلى توفر العنصر البشري القابل للإستغلال في هذا الميدان مقابل تعويضات جد مجحفة و هزيلة قد لا تصل،في بعض الأحيان، إلى الحد الأدنى القانوني للأجور في غياب باقي الحقوق الأخرى، مستغلا في ذلك ظروف عطالة الخريجين الجامعيين وانسداد الأفق أمام هؤلاء وانعدام البدائل الممكنة. والغريب في الأمر أنه رغم كون العنصر البشري بالقطاع الخاص يشكو من ضعف في التكوين  وهزالة في الأجور، لكن نتائجه وفعاليته تكاد تفوق ما هو موجود بالمؤسسات العمومية، رغم توفر هذه الأخيرة على عنصر بشري كفء ومؤهل بنسبة أكبر( مع بعض الاستثناءات)؛ كما أن الوضعية المادية للعاملين به، نسبيا، أحسن وفي حدود قانون الوظيفة العمومية وما يترتب عنها من امتيازات نسبية مقارنة مع هؤلاء طبعا. إن جودة التعليم العمومي معضلة أصبحت تؤرق غالبية الشعب المغربي الذي ينتمي إلى أسفل السلم الاجتماعي  لما يعيشه من تقهقر متزايد و مسلسل من التراجعات على مستوى الفعالية و الإشعاع التربوي في محيطه الاجتماعي المباشر، أمام الإغراءات التي بدأ يقدمها القطاع الخاص على المستوى الكم و النوع التربوي، الذي بدأ يطرحه أمام المتعاملين معه بمنطق أحسن عرض موجود في السوق. الدولة هي الأخرى نصٌبت نفسها مدافعة عنه و حريصة عن حرمته أكثر من اهتمامها بالمؤسسات الرسمية العمومية؛ والسبب واضح في نية الدولة لجعل المؤسسات التعليمية الخاصة هي القاعدة ونظيرتها العمومية هي الاستثناء. الرغبة في تطويق و إضعاف هذه الأخيرة، هو الذي جعلها تتراجع إلى الوراء، ولا تمتلك تلك المناعة و القوة اللازمة لتنشيط دورتها التربوية المستمرة و الفعالة؛ لا لشيء إلا لأنها تأوي أبناء الشعب غير المصنفين، من جهة، ولقطع الطريق على هؤلاء كي لا يزاحموا أبناءهم على المراكز و المناصب الحساسة و العليا للدولة؛ لأن التجربة السابقة أتبثت بالملموس قدرة أبناء الطبقات الدنيا على التفوق واعتلاء درجات السلم الاجتماعي بنجاح. لكن المفارقة الخطيرة هي مساهمة البعض، عن قصد أو غير قصد، في تأزيم  وضعية المدرسة العمومية؛ من خلال التسليم بحتمية الأزمة و قدرها من دون الإنتباه إلى ضرورة قيام كل طرف، من موقعه، وبقدراته  الإبداعية على التصدي لهذا المخطط الجهنمي الذي يهدف إلى نسف دور هذه المؤسسة و تحجيمه، خدمة لثقافة الخوصصة وضربا للمجانية. المنظومة الرسمية للبلاد والتوجه العام يجبر الجميع لبدل أقصى ما يمكن من أجل إنقاذ دور المؤسسة العمومية من الإفلاس و الترهل، رغم الإكراهات وثقافة التيئيس التي ترفع شعاراتها بعض ًالنقاباتً وًالأحزابً التي خُلقت لهذا الغرض لتشارك المغرب الرسمي في تشييع جنازة مدرستنا العمومية التي غمرت بحبها جيلا كاملا من أبناء هذا الوطن العزيز...

 

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.