قـف بالهـامــــــــــــــش..!!
مبادرة الأمـــــل
.
.

الأمراض النفسية والمجتمع..!!

        بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية الذي يصادف 10 أكتوبر من كل سنة، أجرت مصالح الطب النفسي لوزارة الصحة، دراسة ميدانية حول الوضعية النفسية للأفراد بالمجتمع المغربي. الحقيقة أنها كانت تجربة علمية فريدة من نوعها؛ تم نشر نتائجها بهذه المناسبة. والغريب في الأمر، أنها لم تثر الكثير من النقاش، على الرغم من الخلاصات العميقة التي انتهت إليها. مر عليها القراء مرورا سطحيا، ولم يوليها المختصون والعامة قدرها من الإهتمام، رغم كونها تهم جانبا أساسيا من صحة الأفراد، ألا وهو الجانب السيكولوجي الذي يحتل لدى المجتمعات المتقدمة قدرا كبيرا من العناية والإهتمام، لما له من تأثير عميق على صحة المجتمع بكامله..

الواقع أني توقفت كثيرا عند الأرقام التي تم استخلاصها من هذه الدراسة، وأدركت أن مجرد إجراء بعض المقارنات البسيطة جدا، يمكن للإنسان أن يفقد، من خلالها، بعضا من قدراته العقلية وتوازنه النفسي، لهول هذه النسب التي تصيب من اطلع عليها بالصدمة والشرود الذهني... نتائج الدراسة كشفت عن رقم مخيف جدا من عدد الأفراد المغاربة المصابين بأمراض نفسية خطيرة، حيث يوجد ببلادنا أكثر من 10 ملايين مصاب بمرض ( الاكتئاب والوسواس)، وهي أمراض يمكن ملاحظة بعض أعراضها بالعين المجردة في كل الأمكنة، والفضاءات الخاصة والعامة!!  والتي لازال الجميع يتعامل معها بتكتم شديد، على اعتبار أن العقلية السائدة تتعامل مع هذا النوع من الأمراض بكونه من الطابوهات المغلقة...

هذا الرقم لوحده، يعني أن أكثر من ثلث المغاربة غير أسوياء من الناحية الطبية، فهم  يعانون من أمراض نفسية تتوزع بين عدم الإرتياح النفسي والتشتت الذهني.. وذلك يعني، أن مكانهم الطبيعي، بكل بساطة، هو المستشفيات والعيادات   المتخصصة في الطب النفسي... وبما أن هذه الأمراض النفسية مرتبطة، في الكثير من جوانبها، بالحالة العقلية والفكرية للشخص المصاب، فلنا أن نتصور كيف ستكون عليه سلوكيات هؤلاء الأشخاص داخل المجتمع!!؟؟... أتصور هؤلاء المرضى، بيننا، كمجانين يصعب إقناعهم بمرضهم، بل تجدهم أقوياء وشرسين في الدفاع عن أنفسهم وأفكارهم، بقوة يفتقدونها حين اختلائهم بأنفسهم... تجدهم يتمتمون ويحركون شفاههم، بدون وعي منهم، في أول فرصة يشعرون فيها بالأمان والإنفراد بدواتهم، سواء داخل مقصورات القطارات أو في إحدى زوايا الغرف أو حتى في غفلة منهم بالشارع والمقاهي العمومية... أصبحتُ أُراقب الكثير من تصرفات هؤلاء... حتى بعض المسئولين داخل إداراتهم ومكاتبهم، لم يسلموا من بعض أعراض هذه الأمراض النفسية التي تبدو واضحة في تصرفاتهم مع المواطنين.. حركات غير منسجمة، وكلمات نابية ومتقطعة ترمى بسبب أو بدونه، لزائر هذه الإدارة أو تلك، من قبل رجل أو امرأة تنتمي لهذا القطاع العمومي أو ذاك..

أمراض ونسب مرتفعة من المرضى النفسانيين، يعيشون بيننا، من دون إثارة انتباهنا ، لكثرة انشغالاتنا اليومية، وعدم اكتراث الكثير منا بما نصادفه من نماذج وممارسات في الشارع وداخل مكاتب المؤسسات العمومية والخاصة. استطعنا، على ما يبدو، وبمحض الصدفة أن نمتلك المناعة والقدرة الكافية لتقبل حماقات هؤلاء المرضى... حوالي 27 %  من المغاربة، تغلب على حياتهم الكآبة، وما يرافق ذلك من أعراض مرضية جانبية، لاتقتصر نتائجها على الشخص المعني بالأمر لوحده، بل تتعداه إلى محيطه الإجتماعي ككل. نسبة كبيرة جدا، من بين هؤلاء، مؤهلة، موضوعيا، لتدخل عالم الحمق من بابه الواسع... أمراض نفسية أخرى، لم أسمع بالكثير منها من قبل، والتي ساقتها تلك الدراسة، من أمثال (الأمراض الذهانية) التي وصلت نسبة المصابين بها إلى حوالي 6 %، ومرض (الرهاب الإجتماعي) الذي وصل انتشاره بين الأفراد إلى
7 %، بالإضافة إلى 9 % لمرض نفسي خطير يطلق عليه الأطباء (الخوف الداخلي العام)... وهي أسماء لأمراض تنخر أجساد وسيكولوجية أفراد كثر من مجتمعنا في صمت مطبق.. يتعامل معها الكثير منا ببدائية غارقة في التخلف والشعوذة... بالسحر وزيارة الأضرحة واللجوء للفقهاء والجن، واقتناء أنواع من بخور الجاوي والحرمل، وقليل من الشبة لطرد الأشباح الشريرة التي تسكن الجسم والمكان... هي إذن أسماء لأمراض حقيقية وليست متخيلة، يمكن إجمال مسمياتها المتعددة في كلمة واحدة هي (الحُمق) أو (الهْبال) من دون لف ولا دوران!! أي أننا أمام مجتمع يتصرف كأنه (هْبـــيل). لذلك لا أرى مانعا في التماس الأعذار لبعض الممارسات الشاذة للبعض منا. وبهذا المنطق، وبناء على نتائج هذه الدراسة، يكون العديد منا، قانونا وشرعا، فاقدا للأهلية. لأن هؤلاء  يتوفرون على الشروط الدنيا ليصنفوا في خانة (الحمّاق)، وبالتالي فإن (القلم مرفوع عليهم!!) ويعتبرون بموجب القانون، غير مسئولين عن أخطائهم وممارساتهم الغير اجتماعية... الآن فقط، تمكنت من فك لغز تلك (الوشوشة) و(الهمهمات) التي كانت تصدر عن ذلك الشخص الملتحي، الذي يقطن بالقرب من منزلنا؛ لعله مصاب بإحدى هاته الأمراض من دون شك.. كما تأكدت من قدرة السحرة والأولياء على استقطاب كل تلك القاعدة من المريدين والمناصرين... في غياب خطة ناجعة لحكومة عباس، للتخفيف من ظاهرة (الحماق) الجماعي للمجتمع، وذلك عبر تعميم المراكز المتخصصة في الصحة النفسية، وتخصيص جزء كبير من ميزانية وزارة الصحة لهذا الغرض.. لأنه لا تقدم لمجتمع بدون سلامة عقلية ونفسية لأفراده...

الإيجابي في هذه الدراسة هو طابعها العلمي الميداني، بالإضافة إلى كونها تجربة رائدة في العالم العربي، الذي يعمد مسئولوه إلى إخفاء أمراض وظواهر واقعية بمجتمعاتهم، على اعتبار أنها من الطابوهات والمحرمات... ليتنا، نحن العرب، قمنا بتشخيص واقع أحوالنا بكل وضوح وشفافية وموضوعية، لنتمكن من اكتشاف ذواتنا من جديد..سواء تعلق الأمر بالأفراد أو المجتمع.. بالتأكيد سنتوصل إلى حلول لأمراضنا المزمنة (التخلف،الفقر،الانغلاق  والتزمت، الانقسامات، حب السلطة،غياب الديمقراطية،انعدام حرية التعبير...النرجسية الزائدة للزعيم...)، التي تفشت بيننا كمجتمعات وكحكام..

aameroldsellam@yahoo.fr

 

 

(1) تعليقات

أضف تعليقا

اضيف في 09 ديسمبر, 2008 11:37 ص , من قبل 12may65
من تونس

رائع أخي الكريم تحليلك و دقيق.
كم نحن في حاجة إلى مواجهة واقعنا بكلّ هذه المعرفة بحقيقة ما يدور في عالمنا و مجتمعاتنا التي تسير على غير منهج.
تسعدني صداقتك.
دمت كما تروم و تشتهي.
أخوك: لطفي




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.