قـف بالهـامــــــــــــــش..!!
مبادرة الأمـــــل
.
.

مسارات بطل رواية

       (الأشجار.. واغتيال مرزوق/ عبد الرحمان منيف)

 

     يمتطي القطار، يسافر نحو المجهول،نحو أفق مظلم، أفق البحث عن عمل، عبر فضاء ليلي مظلم، وسط عالم مجهول... تلك مسيرة متعبة لبطل رواية (الأشجار واغتيال مرزوق)... منصور عبد السلام، الشخصية التي أخدت على عاتقها مساءلة الذات ومحاسبة المحيط أشخاصا وأشياء في بساطتها وتلقائيتها وتعقدها في آن واحد، إنها إشكاليات يريد، من ورائها، إثارة المتعامل معه (شخصا كان أم شيئا آخر) من أجل أن ينتزع منه حقائق ومعطيات تذهب بالأشياء من السهل والمكشوف إلى الغامض والمعقد...

قلت يمتطي منصور القطار، كرمز للحركة، للبحث والتنقيب، لتغيير جغرافية الفضاء بمضمونه العام، للابتعاد كاختيار لابد منه... على متن القطار سيكون اللقاء، لقاء الذات بالذات، لقاء منصور بمنصور، منصور بإلياس، إلياس بنخلة، ونخلة بالذات، لأنها ربط (بالأشجار..).. تجليات العنوان في المضمون، حتى في شخصيات الرواية ورموزها..

تحتار يا إلياس/منصور، وتتظاهر بأنك لا تريد الكلام على الأقل في الوقت الحاضر/بداية الرحلة/بعد صفير القطار والإعلان عن بدايتها، لكن إلياس، الإنسان المحنك الذي رسمت سياط المعاناة على جلده، في تجاعيد وجهه، على خده الأيمن لا الأيسر، حيث الجرح أعمق وآثاره لازالت بادية... فأنت يا إلياس تستحق المعاناة لأنك اخترت غير الذي اختاروا، لأنك بالغت في الرفض، ولأنك مجنون تريد أن تسكر رجال الكنيسة وتتبول على صوامع اليهود... وبعد، أتريد أن تعلم الناس كيف يحافظوا على أشجارهم/أرضهم وخيراتهم؟؟ وأنت تعرف أنهم ربحوا من زراعتهم الجديدة/التغيير... التغيير نحو زراعات تدر المال، ولا تتردد لحظة عن عنادك في التخلي عن الأشجار/أشجار اللوز...رمز الجذور، رمز التاريخ العريق، الهوية الغير قابلة للتمييع..الجذور التي نمت وتفرعت عبر الزمان...؟؟ أنت ملعون يا إلياس، لا عفوا يا منصور.. والمرأة، أيضا، تحدثت عنها بوصفها جزأك الثاني، فأخذت من اهتمامك الوقت الكثير، سواء أثناء رحلتك نحو المجهول/العمل، أو خلال هدوئك واتزانك... أنت إذن  مسكين حين كنت وراء زجاج المقهى تنفذ الأوامر، وتخدم الزبائن.. ما أتعس التلذذ بالمرأة من وراء حاجز/الزجاج!! حياة كبت واضطهاد مارستها على نفسك أو مارسوها عليك، فأنت إلى هذا الحد لازلت تفكر في المرأة، مجرد تفكير بئيس فقط . (كن رجلا، خذ تفضل الآن!!)، لقد أصبحت تاجرا تجول الفيافي والقرى البعيدة والمنعزلة، صحبة ذلك الصديق المطواع.. لا تتردد ، اتق شر حمارك! اتبعه كالعادة لأنه لا تخطيء الهدف أبدا! لا يريد أن يتحرك، لقد جثم ولم يعد يطيق الحركة إلى قرية أخرى غير ذلك المنزل المنعزل، حيث البنت وأمها الهرمة.. فتبيت مرغما، على ما يبدو، عندهما. تحس بشيء ما  في الجانب الأيسر منك، أثناء اللقاء الأول وحين هممت بمغادرة منزلها. أنت الآن تشعر بنوع من الميل مما يسميه البسطاء(الحب). أنت الآن مرتبط بحمارك وهو أيضا، من أجلك، لا خيار له سواك... تسير بين القرى،تبيع وتبتاع، خاصة مع نساء القرى، تتعامل مع هذه بلطف، وتستغل شغلك لتعذب هاته وتتنفس العشق من الأخرى.. تذوق لذة اللقاء، لحظة احتواء بنات حواء.. تعيش حياتك التي هاجرت من أجلها، تبيت مع هاته وتعشق الحديث أو الابتسام لأخريات كثيرات متزوجات.. كم أنت جاسر يا إلياس!! أنت حيوان مفترس، تفسد كثيرا ولا تصلح لشيء سوى أن تكون مهمشا وماسحا للأحذية...!! وبعد كل ذلك، تتزوج  حنة بنت العجوز التي بت عندها أياما قليلة، ويأخذك الحنين من جديد إلى بلدتك (الطيبة) التي تنتظرك.. الأشجار تحتاج إلى رعاية إلياس، هذا الذي قامر بها ولم ينساها، باعها أو ابتزوها منه، هذا السكير القمار القحب الملعون، لم يحافظ على الأمانة.. يعود إلياس مرة أخرى، بنفس جديد، يعمل، يكد ويجتهد، يزرع الأشجار، يسقيها ويرعاها، يشتري الأرض، يتحدث إلى الناس..لم يلد ولا ولدا من حنة.. تُقتل هذه الأخيرة!! كيف؟ لماذا قتلوا امرأة هي زوجة إلياس؟؟ لماذا قتل أهل الطيبة حنة؟؟ يذرع حنة بكل قواه، يصرخ ويتوعد، لكنه يقبلها، يخطف عشقها  من الجبين، يضع رأسها على ذراعه اليسرى وينام رغم الدم الذي ينزف منها، لا يبالي... قد يصل الحزن في أحيان كثيرة إلى درجة الحلول، إذا تعلق الأمر بأعز ما يملك الإنسان.  وإلياس أحل بحنة وأحلت به، فاندمجا رغم وجود كائن حي/إلياس، وآخر ميت/حنة... يتكلم معها، تكلمه بأسى وحزن على الفراق...

تقرر بعد ذلك أن تغادر طيبة مرة ثانية وأنت متأكد أنك لن تتخلى على صديقك/الحمار، لكنك أردت أن تقدمه قربانا لروح حنة... وتغتاله هو أيضا، وهذه المرة بيديك.. كم أنت سفاك للدماء غليظ القلب يا إلياس!!

تغادر وتعانق فضاء المدينة الواسع والممتد، تلتقي تلك العاهرة التي كانت تمارس جنسها مع رجل الدين الفقيه الخوري، وتظل عندها أياما... ثم تقرر أن تشتغل، العمل يؤرقك، يأخذ منك حياتك وعقلك، لكنك لا تحبذ الاستقرار، أنت عدو له.. تكره التنظيم والجمود حتى وإن تعلق الأمر بعمل يؤمن لك دخلا قارا وعيشا هادئا.. أنت محب للتشرد والتيه.. فأنت عنيد، لا تخاف الحركة والتغيير، لا تريد لمؤخرتك أن تتجمد، ولجسمك أن يتخشب، إذن اتبع أهواءك...!!!

تأكدتُ، بعد الاستماع إليك (عبر الرواية طبعا) أنك بالفعل أحمق يبحث وراء السراب، يركض وراء التغيير والحركة، ويرجع بنفس السرعة إلى الأشجار/رمز الهوية التي يطالب إلياس بعدم التفريط فيها، إلى زرعها وزراعتها، فهي كل ما نملك، وهي الرابط بيننا وبين الوجود والحياة.. مادامت الأشجار موجودة في طيبة، إذن نحن أحياء...

ولكنك يا إلياس، في هذه المرة، لم تستفد من الماضي، لقد عدت إلى نفس الممارسات، إلى نفس الحماقة.. تدعي الحكمة وأنت غبي، على ما يبدو.. عدت تتنقل من هنا وإلى هناك، أحمق مجرد من لباسك.. تتلدد بالتيه، بالعذاب، بالتعاسة... تبحث عن العمل، عن كسب مهما  كان نوعه: ماسح أحدية، في الحمام، في المقهى، في اللاشيء... تفكر في العودة إلى الطيبة... يقاطعك منصور الذي هو أنت، هذا اللعين الذي يعرف تفاصيل شخصيتك، لأنه يريد منك على ما يبدو الكثير، تشربان معا من (العرق) الذي أتاح لكما أن تتفقا، على الأقل، لكي تحكي/تتكلم، ويستمع هو إليك، ويحرجك في حياتك... أنتما إذن هاربان من البلدة/الأصل، تتخليان عن مهمتكما  و واجبكما نحو (طيبة)/المجتمع الصغير والكبير/الوطن... هاته الكلمة/الوطن تؤرق رفيقك منصور كما تفعل فعلتها فيك أنت!! كلاكما متابع بشكل دقيق من هؤلاء/المجتمع /الوطن...

قلت تعود إلى التعاسة، من بابها الأوسع، في المدينة، مع رحلة البحث عن لقمة العيش، تعمل.. تمل، فتتخلى عن عملك لتقع في التعاسة مرة أخرى... تعاود الكرة مع العمل، تجمع أموالا لا بأس بها، تفكر في شيء من دون شك.. وحنة!! أتتذكرها  وأنت منهمك في عملك المتعب؟؟ وما هي إلا سنوات قليلة حتى عدت إلى بلدتك طيبة.. إلى الأشجار، إلى الأرض، إلى حنة/القبر، الميت/الحي... كل شيء في الطيبة يوحي بما كانت عليه من قبل، طبعا قبل هروبك منها في المرة السابقة... مزارع القطن لازالت رابضة ومنتشرة على مساحات شاسعة، وبعض الناس عادوا ليغرسوا أشجارا مكان هذه الزراعة/النبتة اللعينة/القطن... يتأمل بلدته ويبحث عما تغير فيها.. يلاحظ  فندق(السعادة) بناية جديدة.. فرنا غير الفرن الذي كان يريد أن يكون مصدر رزق وعيش حنة ذات يوم... تغيرت بعض ملامح الطيبة، ولكن لازالت الطيبة أصيلة...  لم تتغير البلدة بالشكل الذي تصوره إنسان هارب منها مثله...

يستغل إلياس وفاة أحد العاملين المقيمين على فندق (السعادة) ليجد لنفسه عملا مريحا ،يشرع في العمل هناك، يتمتع براحة وسعادة أكبر.. تمر الأيام والليالي، يسأم من هذا العمل، وكعادته يتخلى عنه وينصرف إلى المجهول (...) هي التعاسة والعيش بلا عنوان إلى ما لا نهاية...

 

 

 

aameroldsellam@yahoo.frالمصطفى عامر

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.