قـف بالهـامــــــــــــــش..!!
مبادرة الأمـــــل
.
.

المرأة المغربية.. وإسبانيا..

    قبل أسبوع من الآن، نشرت إحدى الصحف الوطنية، خبرا مفاده استعداد الوكالة الوطنية للتشغيل... لانتقاء أزيد من 2500 امرأة للاشتغال في الحقول الزراعية الإسبانية.... وقبل أيام فقط ، قرأت خبرا صغيرا بجريدة أخرى حول إبرام اتفاقية بين حكومة الأندلس الإسبانية والحكومة المغربية، تنص على تصدير حوالي ألف حمار مغربي(أعزكم الله) للاشتغال بالسياحة هناك... خبران صغيران ومقتضبان إلى حد التفاهة.. لاشيء يوحي بقيمتهما الرمزية، مجرد عنصران داخل الرقعة الجغرافية للوطن... بل لا يتردد الكثير من أفراد مجتمعنا العربي في وصفهما بأقدح النعوت وأبخسها... حتى أن بعضهم لا يجد أدنى مرتبة، بين خلق الله، في الخوف والدناءة من المرأة، فيختار لــك من المصطلحات القدحية الحاطة من الكرامة، حين يريد أن يلصق بالواحد منا صفة الجبن، ليخاطبك (أنت مجرد امرأة)... كما لا يجد العديد منا وصفا أبلغ من (الحمار) في البلادة والمكانة الوضيعة، بين الكائنات الحية، فلا يتردد أغلبهم في استعمال هذا الاسم لهذا الحيوان/الحمار من أجل النيل من قيمة هذا الشخص أو ذاك ووضعه في مرتبة سفلى من درجة حيوان اتفق الجميع على وضعه في ذيل قائمة الحيوانات من حيث القيمة والمكانة... القاسم المشترك بين العنصرين/الكائنين البشري/المرأة والحيواني/الحمار هو الازدراء و(الحكرة) التي يتعامل بهما معهم قسم كبير من المجتمع العربي... لن ندخل في تفاصيل الأسباب التي أدت إلى هذه الوضعية، وهذا الموقف المجتمعي السلبي من المرأة والحمار، على الرغم من اقتناع الجميع بأن العوامل السوسيوثقافية والتاريخية للمجتمع المغربي والعربي عامة هي المحدد الأساسي لهذه النظرة الدونية لهذين الكائنين...

     الواقع أن عملية تسفير نساء قرويات للخارج بإرادتهن من أجل العمل وتنمية ظروف عيشهن ومساعدة عائلاتهن على مواجهة أعباء الحياة الثقيلة، لا يعتبر انتهاكا صريحا لحقوق الإنسان الأساسية، بل لايعتبر ممارسة متعارضة مع مبادئ الحداثة... لكن الظروف التي تجرى فيها والممارسات التي تصاحبها تبعث على الامتعاض... فعملية اختيار الفتيات وانتقائهن عبر مراكز محددة بالمناطق والأقاليم المعنية، تتم وفق شروط مذلة ابتداء من شرط الزواج أو الطلاق والتوفر على أبناء أقل من 14 سنة، ووصولا إلى شروط أخرى أقل ما يقال عنها أنها غير إنسانية، تمتد من معاينة قوام وجسم المرشحة،  إلى شرط التميز بأياد خشنة ومشققة للبرهنة على قدرة هاته المرأة أو تلك على التحمل... إضافة إلى الظروف العامة التي يتم فيها هذا الانتقاء... كل ذلك يفرغ العملية من طابعها الإنساني ويلحقها بعالم السوق والبضاعة، وفق قواعد ومعاييره الخاصة... ويلحق العملية برمتها والمشرفين عليها بصف العقلية والنظرة الاجتماعية السلبية السائدة عن المرأة في المجتمعات المتخلفة، كالمجتمع العربي..كما يغذي تلك الممارسات الشاذة اليومية التي تتعرض لها المرأة داخل وخارج البيت.. عملية تهجير هؤلاء، وبالطريقة التي تمت بها السنة الماضية، تنم عن استمرار نفس تلك النظرة الدونية للمرأة، وتكرس ذلك الاستغلال اليومي البشع الممارس ضدها، بل قد يعمل على المس بأبسط الحقوق الأساسية للإنسان في العيش والعمل بكرامة.. هذا الخدش العلني بصورة المرأة المغربية، عن سوء نية أو بدونه، هو الذي يعطي إشارات خاطئة للبعض من أجل التحرك للإجهاز على بعض مكتسباتها داخل المجتمع المغربي، وذلك من خلال تشجيع البعض على إصدار آراء وفتاوى لتقليص مساحة التحرك لديها، كما جرى في مثل فتوى الفقيه المغراوي بخصوص جواز زواج بنت التسعة سنوات، وفتاوى أخرى حول تحريم عملها أو خنقه بشروط  تعجيزية... فلو كانت الجهة المشرفة على الإتفاق، حول تصدير هذه اليد العاملة النسوية القروية إلى الحقول الإسبانية، حريصة على مصلحة هؤلاء بالقدر الكافي، لكانت شروط وظروف تلك العقود أفضل وأنظف مما عاينه الجميع خلال التجربة السابقة...وما يرتقب أن يتم تكراره خلال التجربة الحالية التي استنسخت نفس أجواء وشروط العملية السابقة..

   فإذا كانت تلك النسوة ستشتغلن في حقول زراعية ومجالات جغرافية مغلقة، فإن الأمر مختلف بالنسبة للحمير المغربية (أعزكم الله) التي تم الإتفاق بشأنها مع إسبانيا لتهجيرها إلى هناك. فقد كان العرض الإسباني مغريا جدا، وتم توقيع الصفقة في ظروف أحسن؛ تم الالتزام فيها بتقيد الجانب الإسباني باحترام مختلف بنود دفتر التحملات الذي يراعي المباديء الأساسية لحقوق الحيوان كاملة، انطلاقا من عملية الانتقاء وانتهاء بظروف الاشتغال هناك بالأندلس، مع منح الضيوف/الحمير طبعا، عدة امتيازات،

لم تكن تحلم بها حتى أرقى الحيوانات، من جواز السفر الخاص بكل حمار وبطاقة الإقامة وملف طبي لكل واحد منهم... إضافة إلى تحديد عدد ساعات العمل، والسكن اللائق وغيرها... وعكس عمل هؤلاء النسوة في المجال الفلاحي الشاق والمتعب بالحقول الزراعية؛ فإن مجال اشتغال هؤلاء الحمير سيكون  حصريا  بمجال السياحة الأقل تعبا، أي مجال جغرافي أوسع وأرحب وبصحبة أياد ناعمة وأقل قسوة من حقول التوت الأرضي... المؤكد رغم المآخدات الكثيرة على ظروف انتقال وتشغيل النساء المغربيات ضمن هذه العملية، فإن الإقبال يكون كبيرا عليها، للظفر ببطاقة للعمل هناك، والشيء نفسه بالنسبة للحمير المغربية، التي يتم تجميعها من كل حذب وصوب من أجل الظفر بالبطاقة نفسها... رغم ذلك فإن الجميع يرى خلاصه وانعتاقه هناك... يقبل على الفور العرض والدعوة ولا يلتفت إلى الوراء.

    المسئولون أيضا يتحدثون عن العملية وكأنها إنجاز غير مسبوق لصالح هذه الشريحة من الكائنات المغربية... وذلك للتغطية على عجزهم للوفاء بوعودهم الانتخابية السياسية... فإذا كان الوزير الأول عباس الفاسي قد اقترن اسمه بفضيحة ما يسمى (بالنجاة) يوم كان وزيرا للتشغيل سابقا، حين أقدم على اتفاق مماثل يقضي بتشغيل حوالي 5000 شاب مغربي لدى شركات وهمية إماراتية، فإنه يعيد السيناريو نفسه اليوم في هذه القضية، للتضليل على فشل حكومته للتصدي للقضايا الاجتماعية الملحة...

      خلق مناصب شغل موسمية ومؤقتة للبشر والحيوان خارج الحدود، ليس بالحل الأمثل والمناسب، بل مجرد حلول ترقيعية وظرفية محدودة الأثر... العنصران اللذان جرى الإتفاق على تصديرهما إلى اسبانيا للاستفادة من خدماتهما، يشكلان الحلقة الأضعف في التصور والقاموس ألقيمي للمجتمع المغربي، فكلاهما (أي المرأة والحمار) له منزلة محتقرة، لكن التهجير وراء البحر وحٌــــد بينهما أيضا.. فهل هي الصدفة فقط التي جمعت بين الجانبين في هذا الخندق الواحد؟؟ أم أن ذلك تم وفق خطة مدروسة لاستغلال هذه الكائنات الحية الهامشية؟؟

 

aameroldsellam@yahoo.fr     

 

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.