لم يعد خافيا على أحد مدى خطورة السلوكيات السلبية التي تفشت بين العديد من أفراد مجتمعنا، ولعل أبرزها ظاهرة الاعتداء على الممتلكات العمومية... قد تجد آثار تخريب منشآت ومؤسسات تقدم خدمة معينة للناس، سواء تعلق الأمر بانتزاع باب أو نافدة حجرة دراسية من أجل استعمالها لأغراض شخصية، أو تكسير مصابيح للإنارة العمومية، في إحدى زوايا حي أو شارع لسبب أو لآخر... والكثير من الأمثلة التي يزخر بها الشارع المغربي، رغم اختلافها حسب نوعيتها ودرجة الأضرار التي قد تلحق المجتمع من جراء هذه الممارسات اللامسؤولة... فقد أصبح من المألوف جدا أن ترى اعتداءات من هذا النوع في الشارع والساحات العمومية... وكأن الأمر أصبح عاديا أو عبارة عن طقوس ضرورية لتكتمل الصورة...تصرفات تنم عن خلل في قيمنا المدنية، وتربية غير سليمة ترعرع في ظلها أغلبيتنا. غالبا ما نتوجه بالنقد اللاذع، في الكثير من الأحيان، للأجهزة العمومية لتهاونها في هذا الشأن؛ لكن هؤلاء، رغم مسؤولياتهم الضرورية في الحفاظ على هذه الممتلكات، ليسوا الحل كله، رغم كل ما قد يقال حول ثبوت تقصيرهم وعدم رفع وثيرة التصدي لمثل هذه الظواهر الشاذة... ترسانة قانونية زجرية قوية وقيم اجتماعية ودينية كثيرة ومتعددة تحث على اجتناب إلحاق الأذى بالممتلكات العامة؛ لكن أفرادا بعينهم، مندسون بيننا، يصرون على إلحاق أكبر الضرر الممكن بهذه الممتلكات، حتى وإن كانت تقدم خدماتها، بصورة أو بأخرى، لهذا المعتدي، أو للمحيط المباشر له(الأسرة والحي..). علامات التشوير المنصوبة على الطرقات لم تسلم، هي الأخرى، من الأيادي القدرة لهؤلاء، على الرغم من أهميتها القصوى في الحفاظ على سلامة الجميع... بل حتى المساحات الخضراء والأزقة ، أصبحت عرضة للأوساخ والأزبال التي يتم التخلص منها بطريقة عدوانية، من دون مراعاة لأبسط أخلاقيات التعايش بين الناس... ومع تزايد حجم التجمعات السكانية، تزداد الظاهرة في الانتشار... وإذا كان من السهل البحث في الأسباب التي تقف وراء ذلك، والتي يمكن تحميل جزء من المسؤولية فيها، إلى المشرفين الرسميين محليا، فإن جزءا كبيرا من المسؤولية يتحمله المجتمع، بكامل مكوناته المدنية...فالمسئولون، في جميع المواقع متهاونون في هذا الشأن، لأنهم لم يوفروا ما يلزم من الوسائل لتحصين هذه الممتلكات ووقايتها من عبث العابثين... أما السبب الآخر، فيتعلق بشخصية المعتدي التي تتميز، شأنها شأن باقي المجرمين، بنزعة نحو التخريب والانتقام من المجتمع، الذي يعتبره عدوا له، حين يحس بالعجز وعدم القدرة على الاندماج داخله، ويفشل المجتمع أيضا في استيعابه، لأسباب اجتماعية وثقافية ونفسية خاصة بشخصيته... فسلوكه العدائي، يعتبر مشينا وغير حضاري، بجميع المقاييس، رغم التبريرات العديدة التي قد يعتمدها في إكساب أفعاله المشروعية النفسية، على الأقل، لإقناع ذاته بصواب سلوكه. المجتمع حين ينتج نماذج من هذا النوع، يكون معرضا لأسوء الاحتمالات، لأنه يقوم بعملية تخريب وتدمير للذات.. ويبقى المسئول على تصويب هذه السلوكيات، هو المجتمع نفسه، عبر تنظيماته الذاتية، وكدا عبر إعادة النظر في عملية إنتاج القيم وتصحيح مواقع الخلل فيها... المؤسسات المدنية والتربوية، هي الأخرى مدعوة لإعادة الاعتبار للتربية على السلوكيات المدنية الإيجابية، عبر دعمها، ومحاربة كل التصرفات السلبية المشينة، و الميولات التي من شأنها إنتاج أناس حاقدين على مجتمعهم ومحيطهم ووطنهم... المؤسسات الإعلامية، بدورها مقصرة في هذا المجال، ومدعوة، هي الأخرى، للعب دور التحسيس بخطورة تلك السلوكات التي يتقاسم عواقبها الجميع... فلا يعقل، أخلاقيا ودينيا، أن يتم الاعتداء على مرفق من المرافق العمومية التي يستفيد من خدماتها المجتمع ككل (كالإنارة العمومية، نافورات الماء، الطرق،المدارس...) على مرأى ومسمع من الجميع، من دون أي رد فعل، لإيقاف تلك الاعتداءات... الواجب، الوطني والديني، يقتضي الحفاظ على المرفق العمومي والممتلكات العامة، لأن خدماتها مشتركة بين الجميع... كما أن اعتداءات أخرى من نوع آخر، يقودها مواطنون من صنف الخمسة نجوم، تستهدف ممتلكات عامة، هي الأخرى، من نوع خاص جدا، سواء في البر أو البحر... والفرق بينها وبين الاعتداءات الأخرى العادية، أن الأولى مجانية، ومجرد انتقام متهور ليست لها مردودية مادية تذكر، في حين أن الثانية لها من المداخيل المالية ما يسيل لعاب الجميع... إذن فالعملية بجميع أنواعها وأشكالها تلحق بالغ الضرر بالملك العام، وتستحق منا التفاتة لمحاربتها...
.
.
الخميس, 09 اكتوبر, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








